أبو بكر الصديق رضي الله عنه، اسم يتردد في تاريخ الإسلام مقرونًا بالصدق والإيمان والتضحية. هو عبد الله بن أبي قحافة، أول من أسلم من الرجال وأقرب الصحابة إلى قلب النبي محمد ﷺ. عُرف بصفاء قلبه وسمو أخلاقه، وكان رمزًا للثبات في أصعب المواقف.
ورافق رسول الله ﷺ في هجرته من مكة إلى المدينة، وكان سندًا ورفيقًا له في كل مراحل الدعوة. تولى الخلافة بعد وفاة النبي ﷺ، فكان خير قائد للأمة، أدار شؤونها بحكمة وعدل، وأرسى دعائم الدولة الإسلامية. في هذا المقال، نسلط الضوء على نبذة عن أبو بكر الصديق رمز الصدق والإيمان الراسخ وعلي حياته العطرة ومواقفه العظيمة التي شكلت نموذجًا يُقتدى به عبر الأجيال.
أبو بكر الصديق هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، سماه النبي بعبد الله بعد أن كان يسمى بالجاهلية عبد الكعبة؛ ويلتقي نسب أبو بكر رضي الله عنه مع النبي ﷺ في الجد السادس مرة بن كعب.
كان يلقب في الجاهلية بالصديق، وقد كان من وجهاء قريش وأحد أشرافهم، كما كان موكلا بالديات، وقد ناداه الرسول ﷺ بهذا اللقب لكثرة تصديقه إياه، فقد كان أول من صدق النبي في حادثة الإسراء والمعراج، ومن ألقابه أيضا العتيق فقد لقبه الرسول بالعتيق لأنه كان حسن الوجه جميلا، والعرب تقول: رجل عتيق، أي: كريم نجيب، وعتيق الوجه كريمه .
ولد الصديق رضي الله عنه في مكة المكرمة أم القرى في السنة الثالثة من ولادة الرسول ، وذلك بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وقد نشأ رضي الله عنه وترعرع في موطن سيدنا محمد بمكة المكرمة في بيت والده، وكان عزيزًا متواضعًا ذا مكانة في قومه بني تيم وهو من شرفاء مكة.
كانت البيئة حوله مليئة بالفساد، ولكنه كان سليم الفطرة عفيفا، لم يتأثر ببيئة المنكرات، فكان ذو بصيرة مدركًا أن الخمر تُذهب العقل وتخدش المروءة فما شربها في الجاهلية، ولم يسجد لصنم قط، فقد رأى أن ذلك يخل بالفطرة السليمة، ولم يقتل الأولاد خوفا من الفقر، وكان رضي الله عنه يتجنب مجالس قومه ولهوهم وإثمهم، فلم يجتمع معهم إلا في الأخلاق الحميدة والفضائل.
إسلام أبو بكر الصديق رضي الله عنه
كان الصديق رضي الله عنه تاجرًا معروفًا في قريش، ذا علم وعقل، مرشدًا لقومه، محبوبا بينهم، جميل المجالسة، وكان صديق رسول الله في طفولته وشبابه قبل الإسلام وبقي على ذلك بعده .
وعندما نزل الوحي على سيدنا محمد كان الصديق أول رجل علم بذلك، فقد أخبره النبي عن الوحي والإيمان بالله وتوحيده فما كان منه رضي الله عنه إلا أن قال: صدقت. فما شهد على رسول الله ﷺ كذبًا منذ طفولته، فأسلم رضي الله عنه خاضعًا مستسلما الله تعالى، وكان أول من أسلم من الرجال رضي الله عنه.
هجرته مع النبي إلى المدينة رضي الله عنه
أنفق أبو بكر الصديق رضي الله عنه كل ما يملك من مال من أجل الاستعداد للهجرة والتجهيز لها، ولم يترك لأهل بيته وأبنائه شيئًا صحب رسول الله ﷺ في طريقه للهجرة إلى المدينة، وواجه معه كل مصاعب الطريق وجاب معه الصحراء الواسعة من أجل نصرة النبي ﷺ .
ونام معه في غار ثور أيامًا، وقد أنزل الله تعالى فيه قوله: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۚ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [٤٠: سورة التوبة.
ومن بعض ما أنفق من ماله في سبيل الله عندما شارك رضي الله عنه في تجهيز غزوة تبوك وهي التي تسمى بغزوة العسرة، وأنفق مالاً كثيرًا لتجهيزها، ونافس في ذلك الصحابة وسبقهم، كما كان ينفق مالا كثيرًا من أجل عتق العبيد وتحريرهم.
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول الخلفاء الراشدين، فقد بويع رضي الله عنه للخلافة في يوم وفاة رسول الله في السنة الحادية عشرة للهجرة. فقد اجتمع الصحابة رضوان الله عليهم على أحقية خلافة الصديق رضي الله عنه.
وقد ابتدأت بعد وفاة الرسول ردة بعض الناس عن الإسلام، فقد ارتد في تلك الفترة عدد كبير من الناس؛ فكان لا بد من تأمين حصانة للدعوة والدفاع عنها ورد من تصدوا لها وهاجموها، فجهز رضي الله عنه الصحابة لردع الردة، وقاتل من أبي أن يعود للإسلام.
معركة اليمامة
والتي حدثت نتيجة حروب الردة، وانتصر فيها المسلمون، وقتل فيها مسيلمة الكذاب، وتاب كثير ممن ارتدوا، واستشهد عدد كبير من الصحابة حفظة القرآن الكريم، مما أدى إلى تفكيره رضي الله عنه بجمع القرآن الكريم، فأمر رضي الله عنه زيد بن ثابت بجمع القرآن الكريم مما كتب وما حفظ، وكان هذا أول جمع للقرآن الكريم.
وقد شهدت خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه عدة مشاهد ووقعات منها:
معركة أجنادين، ومعركة مرج الصفر، ومعركة اليرموك، فهي من أشهر المعارك في عهده رضي الله عنه، ورغم شدتها، إلا أنَّ المسلمين انتصروا فيها انتصارًا عظيمًا. وفتح في عهده الحيرة وبعض مدن العراق وبعض مدن الشام.
وفاته رضي الله عنه
أما وفاته رضي الله عنه: تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن الصديق رضي الله عنه مات متأثرًا بمرضه بعدما اغتسل في ليلة شديدة البرد، فأصيب على إثرها بالحمى، ولم يستطع أن يخرج للصلاة خمسة عشر يوما .
وقد أوصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإمامة الناس لصلاة الجماعة نيابة عنه إلى أن توفي في سنة ثلاث عشرة للهجرة، رحم الله أبي بكر الصديق رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.