الظلم من أعظم الذنوب التي حذر منها الإسلام، فقد جعله الله تعالى محرمًا على نفسه وجعله بين عباده محرّمًا. إنه ذنب لا يقف أثره عند حدود الدنيا فحسب، بل يمتد ليكون وبالًا على صاحبه يوم القيامة.
يومها تُرفع المظالم وتُقتص الحقوق، فلا مال ينفع ولا جاه يشفع. إن المظلوم يوم القيامة ليس مجرد خصم، بل قد يكون سببًا في هلاك الظالم وحرمانه من حسناته أو تحمله من سيئاته. فكيف بالعبد الذي يقف أمام الله يوم الحساب، وحسابه بيد من ظلمه؟ كيف له أن يواجه موقفًا كهذا، إن لم يسارع اليوم إلى التحلل من المظالم ورد الحقوق إلى أهلها؟
في هذا المقال، سنتحدث عن أهمية التحلل من المظالم، وكيف يكون ذلك سبيلًا للنجاة في الدنيا والآخرة، مؤكدين على خطورة التساهل في حقوق العباد، وعلى أن رد الحقوق والتحلل منها هو مفتاح العدل والطريق إلى رضا الله.
التحلل من المظالم
إخوتي في الله جعل الله الظُّلم من أقبح المعاصي وأشدِّها عقوبةً، وقد حرَّمه تبارك وتعالى بكلِّ أنواعه في مواطن كثيرة من كتابه الكريم، وتوعَّد الظالمين بالعذاب الشديد في يوم العدل المطلق، ففيه توفَّى الحقوق وتُستردّ المظالم، حيث يستوفي الله مظالم العباد كاملةً، دونما نقصان .
قال سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47)، وقال: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (آل عمران: 30).
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة من عاقبة الظلم يوم القيامة، فأمر الظالمين أن يتحللوا من المظالم في الدنيا قبل الآخرة. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ".
الظالم لن يفلت يوم القيامة
إخوتي في الله! قد يستطيع الظالم الآن أن يفلت بطريق أو بآخر، ولكن الظالم لن يفلت يوم القيامة، فمحال أن يدخل أحد الجنة وعنده مظلمة لأحد، فلابد أن يطهر الله أهل الظلم في أرض الموقف، في ساحة الحساب، على بساط العدل بين يدي الرب جل وعلا حتى ولو كانوا من أهل التوحيد والإيمان.
اذهب إلى أخيك إن كنت ظلمته بأخذ مال أو بغيبة أو بنميمة أو بانتهاك عرض، أو بإحراج أو بإساءة جوار، أو بغش في بيع وشراء أو بأي صورة من صور الظلم، اذهب إليه الآن واطلب منه العفو والسماح قبل أن تقفا بين يدي العدل جل وعلا.
وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة فقال "أتدرون من المفلس؟ قال الصحابة: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع" رجل فقير لا يملك مالاً ولا متاعاًَ ولا أثاثاً، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكنه يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئات من ظلمهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".
كيفية التحلل من المظالم
يتحلل الإنسان من حقوق الناس بأحد أمرين؛ إما بالوفاء، وإما بالإبراء، أما الوفاء فإذا كانت أموالاً يردها إلى أصحابها إن كان يعلمهم، وإن كان قد نسيهم فليتذكر، وإن كان يجهل محلهم فليبحث، فإذا تعذر العثور عليهم فليتصدق بها عنهم، يكون لهم أجرها وله هو أجر التوبة .
وإن كان أصحابها قد ماتوا وخلفوا ورثة فإنه يبحث عن ورثتهم ويسلم إليهم المال؛ لأن المال انتقل إلى الورثة بعد موت المورث، فإن جهل الورثة ولم يعلم عنهم شيئاً ولم يتمكن من العثور عليهم فعل ما سبق يتصدق به عنهم؛ لأنه انتقل إليهم .
وإذا كان الحق عرضاً بأن يكون قد تكلم في عرضه وسبه فإنه يتحلل منه بأن يطلب منه العفو، فيقول: إني أرجو أن تعفو عما قلت فيك، فقد قلت: كذا وكذا، فينبغي من المظلوم الذي طلب منه العفو ينبغي أن يعفو؛ لأن هذا أخاه جاء يعتذر إليه فينبغي أن يقبل عذره فمن عفا وأصلح فأجره على الله .
كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ .
وإن كان هذا المظلوم في عرضه لم يصل إليه خبر، أي لم يعلم بأنك قد اغتبته مثلاً فمن أهل العلم من يقول: اذهب إليه وأخبره واطلب منه العفو، ومنهم من يقول: لا تخبره ما دام لم يعلم ولكن استغفر له وأثني عليه بالصفات التي هو متصفٌ بها وهي حميدة في الأماكن التي اغتبته فيها، فإن الحسنات يذهبن السيئات، فإن هذا من تمام توبتك، فإن قدر أنك قد اغتبت شخصاً قد مات ولا تتمكن من الاستحلال من الغيبة فإن الله إذا علم من قلبك صدق النية فهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، ربما يتحمل عنك هذه المظلمة ويؤديها عنك، أو ويأجر صاحبها ويثيبه عليها.
إخوتي في الله سوف أحكى لكم قصتين عن الظلم .
1- قصة سعيد بن زيد رضي الله عنه
روى مسلم فى صحيحة أن أروى بنت أويس قد ذهبت إلى مروان بن الحكم تشكية أن سعيد بن زيد رضى الله عنه قد أخذ جزءاً من أرضها ظلماً، وفي دفاعة عن نفسة نفى سعيد بن زيد أن يكون قد أخذ شيئاً من أرضها بعدما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ”من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين ” ، فرد علية مروان بن الحكم قائلا : ” وأنا لا أسألك بينة بعد هذا ”.
فجاءت دعوة المظلوم سعيد بن زيد يقول : ” اللهم إن كانت كاذبة فعم بصرها وإقتلها في أرضها . وفعلاً ما توفت أروى بنت أويس حتى فقدت بصرها، وفى يوم بينما هى تسير فى أرضها وقعت فى حفرة لا تراها فماتت بها .
2- قصة الظالم والصياد
بدأ رجل يحكي قصته بعبارة : من رآنى فلا يظلمن أحداً ، يقول الرجل أنه كان يساعد الظالمين فى ظلمهم على الناس وكان أكثرهم ظلماً، وفي يوم من الايام بينما هو يسير على شاطئ النهر رأى صياداً فقيراً قد قام باصطياد سمكة كبيرة .
فنظر الظالم إلى السمكة وقد أعجبتة، فذهب إلى الصياد وقال له بأسلوب حاد : أعطني هذة السمكة يا هذا، فرد عليه الصياد قائلا ان هذة السمكة قوت أبنائى ، فقام الرجل بضربة وأخذها منه بالقوة والغصب ومضى فى طريقة .
وبينما هو يمشي إلى منزلة قامت السمكة بعض يدة عضة قوية من إبهامه، وعندما وصل إلى منزلة ألقى بها من يده وتسببت له فى ألم شديد جداً حتى أنه لم يستطع ليلتها أن ينام من شدة الألم، وفى الصباح ذهب الرجل إلى الطبيب يشكو إلية ، فقال له الطبيب أنه يجب أن يقطع إبهامة فوراً وإذا انتظر أكثر من الممكن أن يضطر إلى قطع ذراعه بالكامل !
ذهب الرجل إلى منزلة محتار فى أمرة لا يدرى ماذا يقرر وبمرور الساعات بدأت يده بكاملها تؤلمه ألماً شديداً ثم إنتشر الألم فى الساعد فذهب الرجل يستغيث بالطبيب فنصحه الطبيب بقطع يدة إلى المرفق .
وفعلاً قرر الرجل هذه المرة أن يخضع لنصح الطبيب وقام بقطع يدة إلى المرفق من شدة الألم، والألم لم يتوقف قط وإنتشر إلى العضد وأصبح أكثر وأشد مما مضى، فقال له الطبيب عليك أن تقطع يدك من كتفك حتى لا ينتشر الأمر فى جسدك بالكامل ، وفعلاً قام الرجل بقطع ذراعة .
وحينما كان الناس يسألونه عن سبب قطع يده ، كان الرجل يجيب : إنه صاحب السمكة وفى يوم ذكر هذا الرجل قصتة لأحد الشيوخ فقال له الشيخ : لو كنت ذهبت من البداية إلى صاحب السمكة واستحللت منه وأرضيته لما قطعت يدك ، ونصحه بالذهاب إليه وطلب رضاه ومسامحته وعفوه حتى لا ينتشر الألم فى باقى جسدة .
خرج الرجل يبحث عن صاحب السمكة فى البلاد حتى وجدة، فوقع على قدمية يقبلها ويبكى بكاءا شديداً ويستحلفة بالله أن يعفو عنة ويسامحة، فتعجب من فعلة وسألة من أنت ، فأجابة الرجل أنا الذى أخذت منك سمكتك بالقوة وذكر له قصتة بالكامل .
فقال له صاحب السمكة أنه قد سامحة لما رأى ما وصل إلية من بلاء، فسألة الرجل إذا كان قد دعى علية يوم أخذها منه بالقوة، فأجاب الرجل نعم، قلت وقتها : ” اللهم إن هذا تقوى علي بقوته على ضعفي على ما رزقتني ظلما فأرني قدرتك فيه “. إنها دعوة المظلوم لا ترد ليس بينها وبين الله حجاب تفتح لها أبواب السماء، فإياكم والظلم .