عرف الإنسان العسل منذ القديم، واستعمله للغذاء والعلاج. فمثلاً تدل بعض الوثائق القديمة على استعمال الآشوريين للعسل في العلاج، كما استعمله الفراعنة لنفس الغرض قبل أكثر من ثلاثة الاف سنة، وورد في أحد كتبهم وصف كامل عن الخواص العلاجية للعسل جاء فيه: "إن العسل يساعد على شفاء الجروح وفي معالجة أمراض المعدة والأمعاء والكلية، كما يستعمل في علاج أمراض العين حيث يمكن تطبيقه على شكل مراهم أو كمادات أو غسولات وداخلا عن طريق الفم " .
استخدام العسل في الثقافات المختلفة
في الصين: كان الأطباء يعالجون المرضى المصابين بالجدري بدهن جلودهم بالعسل لما رأوه من إسراعه لعملية الشفاء من البثور الجلدية الناتجة عن الإصابة بالجدري.
أما الهنود القدماء: فاستعملوا العسل لعلاج بعض أمراض العيون كالساد. وكان أبو قراط يطلي بالعسل الجروح ويعالج به الالتهابات البلعومية والحنجرية وغيرها، ويصفه كمهدئ للسعال وماص الرطوبة الصدر.
دخل العسل في العصر الروماني في صناعة العديد من أنواع المعجنات، كما كانت النساء تستخدمه في صنع منتجات التجميل .
وجاء المسلمون بعد ذلك واتسع نطاق استعمالهم للعسل، تصديقاً لقول الله عز وجل في وصف العسل: (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ، ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: "الشفاء في ثلاث شرطة محجم، أو شربة عسل أو كية نار وأنهى أمتي عن الكي ". وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالشفاءين العسل والقرآن".
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي استطلق بطنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسقه عسلاً " . فسقاه، ثم جاءه فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً. فقال له ثلاث مرات. ثم جاءه الرابعة فقال: اسقه عسلا، فقال : لقد سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا " ، فسقاه فبرئ " .
جاء العلم الحديث مصدقاً لفوائد عسل النحل الطبية، فبينت الأبحاث طور العسل في علاج كثير من المشكلات الصحية، سيتم الحديث عنها فيما بعد.
مكونات العسل
يدخل في تكوين العسل أكثر من سبعين مادة مختلفة ومهمة للجسم من بروتينات وسكريات وأملاح معدنية وفيتامينات وخمائر.
فعلى سبيل المثال يحتوي العسل على أكثر من۷۰% من وزنه سكريات مختلفة ويحتوي على فيتامينات أ ، ب ١ ، ب ٢ ، ي ٣ ، ب6 ، ج ، وحمض الفوليك، وحمض النيكوتينيك ويحتوي على الحديد والنحاس والمنجنيز والكالسيوم والكبريت والصوديوم والفسفور وعلى الأحماض الأمينية المهمة للجسم بكميات قليلة.
ويحتوي كذلك على الخمائر المهمة في هضم النشويات والسكريات، وتساعد على إتمام العمليات الكيميائية الحيوية داخل الخلايا في يسر بالغ وفي درجة حرارة الجسم العادية، كما يحتوي العسل على كمية ضئيلة من هرمون الأنسولين .
فوائد العسل العلاجية
يعتبر العسل من أفضل الأغذية وأنفعها للجسم، لتميزه بخواص عديدة منها، كونه
- لطيفا على الأغشية المبطنة للقناة الهضمية.
- سريع الامتصاص لاحتوائه على السكريات الأحادية.
- لا يضر الكلى ولا يشكل عبئا عليها ولا يضر أنسجتها.
- مهدئا للجهاز العصبي دون ضرر.
- ذا طعم محبب ومستساغ.
ولهذا يمكن استعمال العسل على نطاق واسع لكل من الوقاية والعلاج، ومن الأمثلة على استخدامات العسل العلاجية
- علاج الجروح والحروق والتقرحات الجلدية وشفاؤها دون ترك آثار وذلك القدرة العسل على قتل الجراثيم والبكتيريا، وقدرته على إنتاج مادة الكولاجين التي تساعد في الالتئام دون تشوه أو آثار.
- يساعد العسل في علاج القدم السكرية، بوضعه على القرحات والجروح. يوجد في العسل نسبة عالية من الجلوكوز، وقليل من الأنسولين؛ مما يساعد على تغذية الجلد موضعيا مقللا من احتمال بتر الأعضاء نتيجة للإصابة بالقدم السكرية ومضاعفاتها.
- كما بينت الدراسات أهمية العسل في علاج مشكلات الفم والأسنان ورائحة الفم الكريهة الناتجة عنها. وذلك يرجع إلى أسباب عديدة، منها: غنى العسل بمادة الفلور التي تساعد على منع تسوس الأسنان، وبالتالي الرائحة الكريهة الناتجة عن التسوس. كما أن في العسل خاصية معقمة وقاتلة للجراثيم مما يساعد على تنقية الفم من مسببات الرائحة الكريهة.
- وبينت دراسات أخرى دور العسل في علاج أمراض القرنية.
- وبينت كذلك دوره في علاج القرح الهضمية والإسهال، كما يفيد العسل في علاج المصابين بالإمساك الشديد.
العسل والتبول اللإرادي
ومن الاستخدامات المهمة والعلاجية للعسل: استعماله لعلاج التبول اللإرادي للأطفال بعد سن الخامسة، وخاصة في الليل، أو عندما يكون الطفل خارج المنزل.
يعطى الطفل ملعقة طعام من العسل قبل النوم، أو صباحاً إن كان لا يتحكم بالبول نهارا، يعمل العسل بسبب خاصيته الاسموزية المرتفعة على امتصاص الماء الزائد ويحافظ عليه مدة طويلة من الزمن إلى أن يستيقظ الطفل من نومه أو أن يعود إلى منزله.
لا يشكل العسل أي خطر على الأطفال، ويعتبر طعاماً محبباً لا يكرهون طعمه، إلى جانب فوائده الأخرى المعروفة، فهو يمد الجسم بكثير من العناصرالغذائية المهمة، وله تأثير ملين خفيف، ويسرع التمثيل الغذائي للكالسيوم ويحافظ على الماغنسيوم مما يساعد في تحسين عملية النمو، وهذا كله يجعل منه علاجاً مثالياً للتبول اللإرادي عند الأطفال.
يتطلب العلاج التبول اللإرادي بالعسل تنظيماً لا بد أن يتبعه الطفل لحصول الفائدة. ومن ذلك أنه لا بد من أن يعتاد الطفل على تفريغ مثانته قبل الذهاب للنوم مباشرة مع تناول ملعقة صغيرة من العسل دون اتباعها بالماء أو أي سوائل أخرى.
يعمل العسل على امتصاص الماء الزائد عن حاجة الطفل والاحتفاظ به في المعدة أثناء نوم الطفل، مما يريح المثانة في هذه الفترة.
يمكن كذلك علاج البالغين وكبار السن الذين يكثر ترددهم على دورات المياه ليلاً. وذلك بأخذ ملعقة كبيرة من العسل قبل النوم بنفس الطريقة السابقة.
لا ينصح المصابون بداء السكري بتناول العسل وذلك لارتفاع معامل السكري فيه مما يؤدي إلى حدوث تذبذب في نسبة السكر في الدم بعد تناوله.
ومن الاستعمالات العلاجية أيضاً: استخدامه في حالات الإصابة بالبرد واحتقان البلعوم، إذ يمتص العسل السوائل الموجودة خارج الخلايا في منطقة الحلق والبلعوم مما يقلل الاحتقان في المنطقة وبالتالي الإحساس بالألم،
كما يقلل من فرصة الحياة والتكاثر للجراثيم (فيروسات أو بكتريا) في الخلايا بسبب خاصيته المطهرة للجراثيم، فيعمل بإذن الله على تسريع الشفاء من نزلة البرد.
العسل وجمال البشرة
يُعد العسل أحد المغذيات الطبيعية المفيدة للبشرة، فهو يضفي عليها نضارة ونعومة ويقيها من الميكروبات. ولذلك يستعمل كثيرا في صناعة الأقنعة للعناية بالوجه، وذلك بخلطه ببعض المواد الأخرى.
مثل الجليسرين وزلال البيض لعلاج جفاف البشرة وترطيبها، كما يمكن استعمال خليط العسل مع خل التفاح لعلاج حب الشباب، وخليط العسل مع الجليسرين والليمون لإزالة التبقعات من الجلد واستعمال لبخة العسل لعلاج الخراجات.
يساعد العلاج الموضعي بالعسل على تأخير ظهور التجاعيد في الوجه، وذلك باستعماله مع مكونات أخرى مرة كل الاثة أيام.
وبالنسبة للشعر، فتدليك جذوره بخليط من العسل وزيت الزيتون يساعد على تجديد خلايا فروة الرأس، وتنشيط الدورة الدموية، وإنعاش الشعر وتقويته.
يدخل العسل الآن في صناعة كثير من مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة على هيئة كريمات لعلاج تشقق الشفاه، ولعلاج خشونة الجلد وإزالة البقع والبثور أو لتنعيم البشرة.
ولا تزال الأبحاث مستمرة للكشف عن هذا المنجم الطبي المليء بالمعجزات الشفائية وذلك كله تصديقاً لقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ الْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .
المنتجات الأخرى للنحل
- الغذاء الملكي: وهو عبارة عن مادة غروية بيضاء اللون تفرز من غدد في رؤوس العاملات، غني بالمحتويات الغذائية والصفات الدوائية.
- شمع النحل: وهو عبارة عن إفراز من غدد الشمع التي تقع بين حلقات البطن، يتصلب بعد جفافه على هيئة قشور تستعملها العاملات في بناء الخلية.
- سم النحل: وهو سائل عديم اللون له طعم مر وحامض، يحتوي على بعض المركبات الفعالة، التي وجد أن لها تأثيراً مسكناً للجملة العصبية المركزية، كما تنشط جهاز المناعة في الجسم.
محاذير للعلاج بالعسل
قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) . وقوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ) يعني العسل ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ): قال بعض العلماء .
أنها ترجع إلى العسل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود واختلفوا، هل الشفاء الذي فيه يختص بمرض دون غيره، أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أنه عام في كل مرض قال ابن مسعود: "العسل شفاء من كل داء " . وقال قتادة: " فيه شفاء للناس من الأدواء " . وقد روى أبو سعيد الخدري قال: " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي استطلق بطنه فقال: "اسقه عسلاً " ، فسقاه، ثم أتى فقال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً، قال: " اسقه عسلا ... إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق الله وكذب بطن أخيك " ، ويعني بقوله: "صدق الله " هذه الآية " .
القول الثاني: فيه شفاء لأوجاع معينة، قال السدي: " والصحيح أن ذلك خرج مخرج الغالب " . وقال الأنباري: " الغالب على العسل أنه يعمل في الأدواء ويدخل في الأدوية، فإذا لم يوافق آحاد المرضى، فقد وافق الكثيرين، وهذا كقول العرب الماء حياة كل شيء، وقد نرى من يقتله الماء، وإنما الكلام على الأغلب .
يتبين لنا من تفسير الآية السابقة أن العسل وإن كان فيه الشفاء للأغلب، فقد لا يناسب بعض المرضى، ومن الناس الذين لا يناسبهم العسل مرضى السكري.
بينت الدراسات الحديثة أن معامل ارتفاع السكر بالنسبة للعسل عال جداً ومشابه تماما للجلوكوز (سكر أحادي) ، وذلك لاحتواء العسل على كميات كبيرة من السكريات الأحادية الفورية الامتصاص، والسكريات الثنائية سهلة الهضم، وسريعة الامتصاص. ولهذا فإن العسل لا ينصح به المرضى السكري إلا في حال انخفاض مستوى السكر في الدم، فيمكنهم حينئذ تناوله كإسعاف لرفع مستوى السكر والوقاية من حدوث الغيبوبة السكرية.