الاخلاص وتجديد النية
ميزان الأعمال وشرط قبولها حسن المقصد ، وتحري الإخلاص ، والحج يحتاج إلى نية خالصة صادقة ، ونسك موافق لهدي الاسلام ، فبعض الناس يخرج إلى الحج ولا هم له إلا الحصول على لقب ( حاج ) ، فهو خرج للناس وليس الله تعالى ، والله تعالى يقول في محكم تنزيله ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " مَنْ حَجَّ لله فلم يَرْقُث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ".
فدلت الآية الكريمة ( وَأَتِمُّوا ) والحديث الشريف من حج لله على وجوب إخلاص النية لله عز وجل في الحج، وأن قبول الأعمال الصالحة متوقف على تمام النية، أي صلاحها وإخلاصها لله تبارك وتعالى، فمن لم ينقي سريرته من شوائب الرياء فليس له من حجته سوى المشقة والتعب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : حج النبي صلى الله عليه وسلم على رحل رث ، وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي ، ثم قال : " اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة" .
فالرياء ضد الإخلاص ، والإخلاص هو أن تقصد بعملك وجه الله تعالى ، أما الرياء فمشتق من الرؤية وهو: أن يعمل العمل ليراه الناس ، والسمعة مشتقة من السمع وهو: أن يعمل العمل ليسمعه الناس ، وكلاهما محبط للعمل . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ثلاثة في ضمان الله عز وجل: رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله عز وجل، ورجل خرج غازياً في سبيل الله تعالى ، ورَجُلٌ خَرَجَ حَاجًا ".
فالأعمال ترتبط كلها بالنيات ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إِنَّمَا الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فَهجَرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوله، ومن كانت هجرته الدنيا يُصيبها أو امرأة ينكِحُهَا، فَهَجَرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْه " .
وعن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يُحشر الناس على نياتهم" . عن أبي هريرة قال : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله لا ينظر إلى صُوركُمْ وَأَمْوالِكُمْ ولكن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالكم". ولابد قبل العمل من استحضار النية من تجريدها من كل الشوائب والرغبات الذاتية والدنيوية، وإخلاصها لله تعالى في كل عمل من أعمال الآخرة، حتى يجوز القبول عند الله ، ذلك أن لكل عمل صالح ركنين لا يقبل عند الله إلا بهما:
- أولهما: الإخلاص وتصحيح النية.
- وثانيهما: موافقة السنة ومنهاج الشرع.
وبالركن الأول تتحقق صحة الباطن، وبالثاني تتحقق صحة الظاهر.
- وعن ابن مسعود لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا مما وافق السنة.
- وقال يحيى بن أبي كثير : تعلموا النية، فإنها أبلغ من العمل.
- وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئا أشد على من نيتي، لأنها تنقلب علي.
- فإذا صدقت النية من المصحح حصل له الأجر والمثوبة عند الله سبحانه وتعالى، وإذا كان غير ذلك حبط عمله وخسر ، وإن ظن أنه قد أحسن صنعا .
التوبة والتحلل من المظالم
قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) وقال تعالى : ( فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) .
عن أنس بن مالك ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم :«لله أشد فرحا بتوبة عبده ، حين يتوب إليه ، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة ، فانفلتت منه ، وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها ، فأتى شجرة ، فاضطجع في ظلها ، قد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك ، إذا هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ، ثُمَّ قال ، من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي ، وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح».
عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» . وعن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «توبوا إلى رَبِّكُمْ ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليوم مائة مرة» .
وفي رواية : عن عبد الرحمان بن شماسة ، قال : لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى، فقال له ابنه عبد الله: لم تبكي ؟ أجزعا على الموت ؟ فقال : لا والله ، ولكن مما بعد،فقال له : قد كنت على خير ، فجعل يذكره صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وفتوحه الشام .
فقال عمرو : تركت أفضل من ذلك كله ، شهادة أن لا إله إلا الله ، إني كنت على ثلاثة أطباق ، ليس فيها طبق إلا قد عرفت نفسي فيه : كنت أول شيء كافرا ، وكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلو مت حينئذ وجبت لي النار ، فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كنت أشد الناس حياء منه ، فما ملات عيني من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا راجعته فيما أريد ، حتى لحق بالله ، عز وجل ، حياء مِنْهُ ، فلو مت يومئذٍ ، قال النَّاسُ : هنيئا لعمرو، أسلم وكان على خير ، فمات فرجي لَهُ الْجَنَّةُ ، ثُمَّ تَلَبَّسْتُ بَعْدَ ذلك بالسلطان ، وأشياء ، فلا أدري على أم لي ، فإذا مت فلا تبكين علي ، ولا تتبعني مادحا ولا نارا وشدوا على إزاري ، فَإِنِّي مُخاصم ، وسنوا على التراب سنا ، فَإِنَّ جنبي الأيمن ليس بأحق بالتراب من جنبي الأيسر، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجرا ، فإذا واريتموني ، فَاقْعُدُوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها ، أستأنس بكم.
ومن شروط التوبة إذا كان هناك حقوق متعلقة بالعباد : أن ترد المظالم الى أهلها ، وهذه المظالم إما أن تتعلق بأمور مادية، أو بأمور غير مادية، فإن كانت المظالم مادية كاغتصاب المال فيجب على التائب أن يردها إلى أصحابها إن كانت موجودة، أو أن يتحللها منهم، وإن كانت المظالم غير مادية فيجب على التائب أن يطلب من المظلوم العفو عن ما بدر من ظلمه وأن يعمل على إرضائه.
عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : «من كانت عنده مظلمة من أخيه من عرضه أو ماله فليتحلله اليوم ، قبل أن يؤخذ حين لا يكون دينار ولا درهم ، وإن كان له عمل صالح أخذَ مِنْهُ بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له أخذ من سيئات صاحبه فجعلت عليه».
عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : هل تدرون من المفلس ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رسول الله من لا درهم له ولا متاع ، قال : «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ، ويأتي قد شتم عرض هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، فيقعد فيقتص هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من الخطايا ، أخذ من خَطَايَاهُمْ فَطُرحت عَلَيْهِ ، ثُمَّ طرح في النار».
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول : يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل !! وكان له خادم يأتيه بالطعام ، وكان من عادة الصديق أن يسأله في كل مرة عن مصدر الطعام : تحرزاً من الحرام !! فجاءه خادمه مرة بطعامه ، فنسي أن يسأله كعادته فلما أكل منه لقمة قال له خادمه : لم لم تسألني - يا خليفة رسول الله - كسؤالك في كل مرة ؟ قال أبو بكر : فمن أين الطعام يا غلام ؟ قال : دفعه إلى أناس كنت أحسنت إليهم في الجاهلية بكهانة صنعتها لهم ، وهنا ارتعدت فرائص الصديق ، وأدخل يده في فمه ، وقاء كل ما في بطنه وقال : والله لو لم تخرج تلك اللقمة إلا مع نفسي لأخرجتها ، كل ذلك من شدة خوفه وتقواه وتورعه عن الحرام .
وأما خوف عمر رضي الله عنه وشدة تقواه فعجب من العجب ، سمع قارئاً يقرأ قوله تعالى: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) فمرض ثلاثاً يعوده الناس . بل إنه قرأ مرة قوله تعالى : (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) فمرض شهراً يعوده الناس مريضاً ، وأما علي رضي الله عنه فكان يقبض لحيته في ظلمة الليل ويقول : يا دنيا غري غيري ألي تزينت أم إلى تشوقت طلقتك ثلاثا لا رجعة فيهن زادك قليل وعمرك قصير ، وخرج ابن مسعود مرة في جماعة فقال لهم ألكم حاجة ؟! قالوا : لا ؛ ولكن حب المسير معك !! قال : اذهبوا فإنه ذل للتابع ، وفتنة للمتبوع .
دعنا من الخلفاء الراشدين المكرمين ، ولنتجاوز الزمن سنين عدداً ، فها هو هارون الرشيد الخليفة العباسي العظيم الذي أذل القياصرة وكسر الأكاسرة والذي بلغت مملكته أقاصي البلاد شرقاً وغرباً يخرج يوما في موكبه وأبهته فيقول له يهودي يا أمير المؤمنين : اتق الله !! فينزل هارون من مركبه ويسجد على الأرض لله رب العالمين في تواضع وخشوع ، ثم يأمر باليهودي ويقضي له حاجته ، فلما قيل له في ذلك !! قال : لما سمعت مقولته تذكرت قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) فخشيت أن أكون ذلك الرجل .
وكم من الناس اليوم من إذا قيل له اتق الله احمرت عيناه ، وانتفخت أوداجه ، غضبا وغروراً بشأنه ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : كفى بالمرء إثماً أن يقال له: اتق الله فيقول: عليك نفسك !! مثلك ينصحني !!. قال الحسن البصري (رحمة الله : إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه ، وكانت المحاسبة من همته .
النفقة الحلال واختيار الصحبة الصالحة
من أعظم ما يجب على الحاج اتقاؤه الحرام، وأن يطيب نفقته في الحج وألا يجعلها من كسب حرام. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج الحاج حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك ناداه ملك من السماء لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور" .
مات رجل في طريق مكة فحفروا له فدفنوه ونسوا الفأس في لحده فكشفوا عنه التراب ليأخذوا الفاس فإذا رأسه وعنقه قد جمعا في حلقة الفأس، فردوا التراب عليه ورجعوا إلى أهله فسألوهم عنه فقالوا: صحب رجلا فأخذ ماله فكان منه يحج ويغزو. والرفيق الصالح في السفر يكون نعم المعين على طاعة الله تعالى ، فمعادن الناس الحقيقية قد لا تظهر إلا في السفر.
وفي سنن البيهقي لما شهد الشاهد عند عمر قال له عمر : إني لا أعرفك، فاذهب وائتني بمن يزكيك فجاءه برجل فقال عمر للرجل أتعرفه؟ قال: أعرفه بالعدالة والأمانة. قال: أهو جارك الذي تعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: أعاملته بالدينار والدرهم الذي يعرف به صدق الرجل من كذبه؟ قال: لا. قال: أسافرت معه؟ قال: لا قال: لا تعرفه . ثم قال للرجل: اذهب وائتني بمن يعرفك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه، أو تجد ريحة، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة» .
وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: أوصاني أبي قال: لا تصحبن خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق قال: قلت: جعلت فداءك يا أبت من هؤلاء الخمسة؟ قال: لا تصحبن فاسقاً فإنه يبيعك بأكلة فما دونها. قال: قلت: يا أبة وما دونها ؟ يطمع فيها ثم لا ينالها . قال: قلت: يا أبة ومن الثاني؟ قال: قال: لا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه. قال: قلت: يا أبة ومن الثالث؟ قال: لا تصحين كذابا فإنه بمنزلة السراب يبعد منك القريب ويقرب منك البعيد . قال: قلت: يا أبة ومن الرابع؟ قال: لاتصحبن أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. قال: قلت: يا أبة ومن الخامس؟ قال: لا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواضع.