الاستقامة على الطاعة: مفتاح السعادة والرضا في الدنيا والآخرة

الاستقامة على الطاعة: مفتاح السعادة والرضا في الدنيا والآخرة

الاستقامة على الطاعة ليست مجرد مفهوم نظري يُطرح في كتب الفقه والعقيدة، بل هي نهج حياة يدعو إليه الإسلام، وطريق موصل إلى السعادة الحقيقية والرضا القلبي في الدنيا والآخرة. 

فهي عنوان الإيمان الصادق ودليل على قوة العلاقة بين العبد وربه. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (هود: 112)، مشيرًا إلى أن الاستقامة هي السبيل الذي يُطلب من المؤمن أن يسلكه بلا انحراف أو تقصير.

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن سفيان بن عبد الله الثّقفيّ قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال صلى الله عليه وسلم: "قل: آمنت بالله، ثمّ استقم" .

تعريف الاستقامة على الطاعة

الاستقامة كلمة جامعة، تأخذ بمجامع الدّين والدّنيا، وتتحقّق بها معالي الأمور، وأعلى الدّرجات والأجور، وبها يكمل الإيمان، ويضمن الأمن يوم البعث والنّشور، وتعمّ الخيرات والبركات، ويسعد الأفراد والمجتمعات .

إنّها خصلة من أعظم خصال السّائرين إلى الله تعالى، وأجلّ مدارج السّالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، ينال المرء بها الكرامات، ويصل إلى أعلى المقامات، ويعيش برد اليقين، ويحوز على مرضاة ربّ العالمين.

إنّها اتّباع الدّين القويم بفعل الطّاعات واجتناب المحرّمات، ولزوم الصّراط المستقيم برعاية حدّ الوسط في كلّ أمر من أمور الحياة، والقيام بين يدي الله بما أمر، والالتزام بالصّدق في القول والعمل، والوفاء بكلّ المواثيق والعهود .

فالإسلام إيمان بالله وحده دون سواه، ثمّ استقامة على منهج الله وشرعه من غير تغيير أو تبديل أو تقصير؛ على حدّ قول الحقّ سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأحقاف:13-14).

قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه: لم يشركوا بالله شيئا، ولم يلتفتوا إلى إله غيره، ثمّ استقاموا على أنّ الله ربّهم. ويقول الحسن البصريّ -رحمه الله-: استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. ويقول عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنّهي،  ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة.

أصحاب الاستقامة

أصحاب الاستقامة جمعوا بين أصلي الكمال في الإسلام: الإيمان بالله تعالى، والاستقامة على ذلك، فالإيمان كمال في القلب بمعرفة الحقّ ، معرفة بمقام الرّبوبيّة والألوهيّة، معرفة بالله تعالى ربّا حكيما، وإلها مدبّرا، معظّما في أمره ونهيه، قد عمرت قلوبهم بخوفه ومراقبته، وامتلأت نفوسهم خشية وإجلالا، ومهابة ومحبّة، وتوكّلا ورجاء، وإنابة ودعاء. 

أخلصوا لله في القصد والإرادة، ونبذوا الشّرك كلّه، وتبرّؤوا من التّعلّق بغير الله ربّهم، ثمّ استقاموا على ذلك، دون تفريط أو إفراط، فإذا تمكّن ذلك من العبد ظهر في سلوكه طمأنينة في النّفس، ورقّة في القلب، وقرب من الرّبّ -سبحانه وتعالى.

الاستقامة وحلاوة الإيمان

اصدقائى الاحباء: بالاستقامة يجد المسلم حلاوة الإيمان، وطمأنينة القلب، وراحة النّفس والبال؛ {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الزمر:22)، {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:122).

وما أجمل الاستقامة على العمل الصّالح، والتّوبة والإنابة، والازدياد من الباقيات الصّالحات! وما أعظمها حين تكون بعد الطّاعة! فهذه حال المؤمن الصّادق في إيمانه، الذي لا يغترّ بما قدّم من عمل، ولا يركن إلاّ إلى رحمة الله تعالى وفضله .

 لأنّه يعلم أنّ عمله في جنب معاصيه وغفلته عن الله تعالى قليل، وأنّه مهما عمل في جنب نعم الله عليه وفضله وإحسانه وستره فلن يوفّي ذلك كلّه بعض حقّه، وأنّ الله تعالى إنّما يتقبّل من المتّقين؛ { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} (المؤمنون:57-61).

أمر الله تعالى بالاستقامة

لقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم بالاستقامة، وهو صفوة الخلق، وهم أفضل الأمّة، قال سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} (هود:112-113). 

قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم  في جميع القرآن آية كانت أشدّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية. وعن الحسن قال: لمّا أنزلت هذه الآية شمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم للعبادة، فما رئي ضاحكا، وقال لأصحابه حين أسرع إليه الشّيب: "شيّبتني هود وأخواتها"، يعني قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}".

ولقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض؛ تقول عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} وأكثر دعائه صلى الله عليه وسلم-: "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك" .

التمسك بالاستقامة

اصدقائى الاحباء يجب ان تعلموا ان كل طريق خير وتقرب إلى الله يقف شيطان يبعدك عنه من شياطين الجنّ والإنس، وما أكثرهم في هذا الزّمان! الذين يدعون إلى مخالفة صراط الله المستقيم بكلّ وسيلة، ويزيّنون الابتعاد عنه بكلّ طريقة .

يدعون إلى الطّرق المنحرفة، والسّبل الملتوية، وهؤلاء كلّهم دعاة على أبواب جهنّم، من أجابهم قذفوه فيها، والنّار حفّت بالشّهوات، وما أكثر من يستجيب لهم من ضعاف الإيمان!

لكنّ المسلم المستقيم على أمر الله تعالى لا يأبه بهم، ولا يركن إليهم، ولا يستجيب لهم، بل يتّبع أمر الله ورسوله، ويحكّمهما في جميع أموره، ويتمسّك بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعضّ عليهما بالنّواجذ في زمن الشّهوات والشّبهات، فيصلح حين يفسد النّاس، ويصلح ما أفسد الناس، ويقبض على الجمر حين اكثر النّاس من الكلام عن الشّهوات والمغريات وافرطوا فيها؛ حينها تعظم الاستقامة أجرا وتسمو قدرا.

وسائل تحقيق الاستقامة 

إن الوصول للاستقامة يحتاجُ إلى جهدٍ كبير، وإلىك وسائِلَ تُعينُ على ذلك :

اولا- الحرص على قراءة القرآن الكريم وتدبّر آياته ومعرفة معانيه ومراميه ومقاصده؛ حيث يقول الله-تعالى-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ).

ثانيا - المُحافظة على الطاعات ومجاهدة النفس في سبيل عدم ضياعها، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.

ثالثا - أخذ العبرة والعظة من قصص الأنبياء لقد أورد الله في كتابه الكثير من قصص الأنبياء، وهذه القصص هي التي تربط على القلوب وتثبّت الأقدام حينما تعصف المُشكلات ، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

رابعا - الإكثار من سؤال الله الثبات فقد كان رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (يُكثرُ أن يقولَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دينِك فقلت يا نبيَّ اللهِ آمنَّا بك وبما جئتَ به فهل تخافُ علينا؟ قال نعم إن القلوبَ بينَ إصبعينِ من أصابعِ اللهِ يُقلِّبُها كيفَ يشاءُ).

خامسا - الإكثار من ذكر الله عزَّ وجلَّ وفي ذلك استشعارٌ لعظمتهِ ومعيّته تعالى وذلك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

اصدقائى الاحباء: إنّ الاستقامة على دين الله تعالى ثبات ورجولة، وانتصار وفوز في معركةٍ بين الطّاعات وبين الأهواء والرّغبات والشّهوات، ولذلك استحقّ الذين استقاموا أن تتنزّل عليهم الملائكة في الحياة الدّنيا؛ لتطرد عنهم الخوف والحزن، وتبشّرهم بالجنّة، ويعلنوا وقوفهم إلى جانبهم في الدّنيا والآخرة . 

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} (فصلت:30-32).

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الاستقامة وأن يثبتنا على دينه حتى نلقاه وهو تعالى راض عنا، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

تعليقات