الدعاء المأثور بعد الوتر: سنة النبي ﷺ التي لا تُترك

الدعاء المأثور بعد الوتر: سنة النبي ﷺ التي لا تُترك
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى اللهُ عليه وعلى اله وَسَلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

فإن الله عز وجل قد ذكر أن من صفات المؤمنين التي يلازمونها في كل أحوالهم أنهم يكثرون من ذكر الله عزوجل، فقال جَلَّ وَعَلَا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: ۱۹۱].

فالمؤمن يعلم أن ذكر الله عبادة، بل إنه يفتتح عباداته بالذكر، ويختتم عباداته بالذكر، فالصلاة تختتم بذكر وهو الاستغفار، والصوم يختتم بذكر وهو الدعاء عند الإفطار، والزكاة عند بذلها وإعطائها المحتاج تختتم بذكر وهو دعاء القبول، والحج كذلك، فقد قال الله عَزَّوَجَلَّ : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذكرا [البقرة: ٢٠٠].

وفي هذه المقالة سنقف مع حديث ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه ذكر يقال عقب عبادة يفعلها كثير من المسلمين في كثير من الليالي، وذلك فيما روى أبو داود من حديث أبي بن كعب، وجاء من حديث عبد الرحمن بن أبزة عند الإمام أحمد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كان إذا صلى الوتر ثلاث ركعات وسلم من وتره، قال: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوس» . وجاء عند أحمد من حديث عبد الرحمن بن أبزة وكان النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمد صوته في الثالثة.

 ثلاثة أمور فى هذا الدعاء

أول هذه الأمور: ننظر كيف أن صحابة رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكتفوا بنقل ما قاله، وإنما زادوا على ذلك بأن نقلوا صفة قوله بأنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان يمد التسبيح.

فالصحابة - رضوان الله عليهم - نقلوا أقوال النبي وأفعاله وهيئاته وصفاته، بل نقلوا سكونه وسكوته وتقاريره عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فرضي الله عنهم وأرضاهم، فإنهم قد صدقوا الصحبة مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم ، وكان لهم فضل على أمة محمد صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنقل ما تلفظ به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ، وَفَاهَ به فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجمعنا بهم مع نبينا صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنات النعيم.

الأمر الثاني: أن هذا الدعاء هو مسنون، ولكني سأذكر لفظه وهيئته، وقد جاء في لفظ هذا الدعاء الذي يقال بعد الوتر صيغتان .

الصيغة الأولى: أن يقول المرء: سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس .

والصيغة الثانية: جاءت عند الدار قطني بإسناد جيد أن المرء يقول كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح.

الأمر الثالث: الذي يتعلق بهذا الحديث وهو أن هذا الدعاء فاضل بعد الوتر، بل إن الإتيان به أفضل من الاستغفار، وإنما يكون الاستغفار فاضلا بعد الصلاة إذا كانت الصلاة فريضة، فقد جاء من حديث ثوبان وعائشة رضي الله عنهما ومن حديث غيرهما أن النبي صَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا انفتل من صلاته - قال أهل العلم: هي الفريضة ، يقول: «أَسْتَغْفِرُاللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ
والإِكْرَامِ».

الذكر الذى يقال بعد الصلاة

قال أهل العلم أن الصلوات ثلاث باعتبار ما يقال بعدها: فإن كان فريضة الفرائض الخمس فإن أول ما يتلفظ به المرء من الأذكار بعد الفريضة الاستغفار كما جاء في حديث ثوبان.وإن كانت الصلاة وترا فإن أفضل ما يبدأ به التسبيح الذي جاء في حديث أبي. وإن كانت غيرها من النوافل فلا شيء فيها مقيد، فله أن يقول ما شاء من استغفار وتسبيح، أو أن يدعو دعاء طلب، نبه لذلك ابن القيم رحمهُ اللهُ تَعَالَى.

ومما يتعلق بهذا الدعاء حيث عرفنا أنه أفضل ما يقال بعد الوتر فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاله عقب الوتر مباشرة، والقاعدة عند أهل العلم كما نصوا على ذلك في كتاب الحج في مسألة التكبير أن كل ذكر قيد بدبر الصلوات سواء كان التسبيح في الوتر، أو الاستغفار في الفرائض، أو التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد بعد صلوات، فإن محله قبل أن يقوم من مقامه.

ولا يستثنى من ذلك إلا صورة واحدة، وهو إذا كان في المسجد فإن له أن يقوله ما لم يخرج من المسجد؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَهُوَ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ في مُصَلَّاهُ»؛ أي في المسجد. وبناء على ذلك فإن القاعدة العامة عند أهل العلم أن كل نافلة إذا فات محلها فإنها لا تقضى إلا ما ورد به النص، فمن قام من المقام الذي صلى فيه الوتر أي: قام من مصلاه الذي صلى فيه الوتر فنقول قد فات السنة سنة التسبيح التي وردت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا تقضى، وإنما يأتي بما فتح الله عزوجل عليه من أذكار.

الحكمة من الدعاء بعد الوتر

الحكمة التي استنبطها أهل العلم من ختم الوتر بهذا الدعاء اللطيف: سبحان الملك القدوس، أو سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح. قال أهل العلم رحمهم اللَّهُ تَعَالَى: «إن أفضل الصلوات بعد الفريضة هي الوتر، وأفضل الذكر بعد القرآن هو التسبيح، فناسب أن يكون أفضل الذكر بعد القرآن يؤتى به بعد أفضل الصلوات بعد الفرائض، وذلك أن تسبيح الله عزوجل هو أفضل كلم يقوله العبد بعد قراءته للقرآن .

وقد جعل الله جَلَّ وَعَلا للمسبح ثلاث خيريات في كتابه، فقال الله جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالْبَقِيتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرُ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦]، وقال جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالْبَقِيتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًا ﴾ [مريم : ٧٦].

والباقيات الصالحات جاء في حديث أبي سعيد وغيره أنها : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقد افتتح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الباقيات بهذه الكلمة العظيمة: سبحان الله، فهذا يدلنا على أن الانشغال بهذه الكلمة هي خير ثوابًا، فلا ثواب أفضل بعد الواجبات وكلام الله عز وجل من هذه الكلمات ومنها التسبيح، وهي خير أملا، فمن رجا أملا وطلبا ورجا سؤالا وخاف أمرًا فانشغل عن ذلك بالتسبيح والتهليل والتحميد؛ فإنه يعطى سؤله وإن لم يطلبه . 

كما جاء في حديث عباس أن أعرابيا جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله؛ علمني كلمات، فقال: «قُلْ : سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فقال الأعرابي: فهذه الله، فما لي ؟ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ إِذَا قُلْتَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَالَ الله : سَلْ تُعْطَهُ».

فمن انشغل بالتسبيح كانت خيرا له أملا مما يؤمل ومما يرجو، فيعطيه الله عزوجل أعظم من ذلك، وفي حديث أبي سعيد عند النسائي : «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مُسَاءَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِي السَّائِلِينَ»، وآخرها خير مردا عند الله عزوجل ومردا في الدنيا، فهي خير من خادم كما قال النبي لفاطمة وزوجها علي رضي الله عنهما، وهي خير من متاع الدنيا، وخير من من كثير من الأمور التي يرجوها المرء مردا عند الله عزوجل.

وفي ختمها بـ ( سبحان ملك القدوس رب الملائكة والروح) لحضور الملائكة قيام الليل، فإن الملائكة تحضر ليلة القدر كما في كتاب الله عزوجل، وجاء في بعض الأخبار والسنن أن القائم تحف به الملائكة، فكأن الملائكة تكون لفة بمن قام الليل، وقد ختم ليله بصلاة الوتر، فيقول المرء: سبحان الملك القدوس، أو يقول: سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا جميعا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يتولانا بهداه، وأن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات. وأسأله جَل وَعَلا أن يرحم ضعفنا، ويجبر كسرنا، وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

تعليقات