فضائل الحج وفوائده ومكانته في الإسلام

فضائل الحج وفوائده ومكانته في الإسلام

الحج عبادة من أشرف وأجل العبادات التي افترضها الله تعالى ، وجعلها إحدى الدعامات الخمس التي يرتكز عليها الدين الإسلامي والتي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت » متفق عليه.

قال تعالى : " وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ". وقال : " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ " . والحج فيه فضل عظيم وثواب جزيل، ومنذ حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس في السنة العاشرة من الهجرة حجته التي رسم لأمته فيها كيفية أداء هذه الفريضة، وحث على تلقي ما يصدر منه من قول وفعل، 

قال صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» وقال صلى الله عليه وسلم: «الحاج والعُمار وفد الله ، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم»وإذا مات الحاج كتب له ثواب الحاج إلى يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة».

فضائل الحج  وثمارة 

1- فيه إبعاد الفقر وتكفير الذنوب: عن عمرو بن دينار قالَ قَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «تابعوا بين الحج والعمرة فَإِنَّهُما يَنقِيَان الفقر والذُّنُوب كما ينفى الكير خبث الحديد». وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أديموا الحج والعمرة ، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ، كما ينفي الكير خبث الحديد» . قال العلماء  خص النبي صلى الله عليه وسلم الحديد الذي هو أشد المنطبعات صلابة وأكثرها خبثا ، إشارة إلى أن الفقر وإن اشتد ، والذُّنُوبُ وإن خبثت وعظمت ، يُزيلهما المداومة على النسكين : الحج والعمرة .

2- أنه يعدل الجهاد في سبيل الله: عن عائشة ، أم المؤمنين ، رضي الله عنها أنها قالت: «يارسول الله ، ترى الجهاد افضل العمل . افلا تجاهد ؟ ؟ قال : لا . لكن افضل الجهاد حج مبرور» . وعن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : «جهاد الكبير ، والصغير ، والضعيف ، والمرأة : الحج ، والعمرة» .

3- الحج المبرور جزاؤه الجنة: فعن عبد الله بن عامر عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «العُمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما من الذنوب والخطايا والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» .

4- محو الخطايا والسيئات ورفع الدرجات: عن أبي هريرة ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «من حج هذا البيت ، فلم يرفث ولم يفسق حتى يرجع ، رجع كيوم ولدته أمه» . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ترفع إبل الحاج رجلا ، ولا تضع يدا ، ، إلا كتب الله له بها حسنة ، أو محا عنه سيئة ، أو يرفعه بها درجة» .

ه - الحج أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الأعمال أفضل ؟ قال : إيمان بالله " قال : ثم ماذا ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله " قال : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور» .

6 - فضل التلبية والطواف: عن سهل بن سعد قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:«ما من مسلم يلبي إِلَّا لَبِّي مَنْ عَن يمينه ، أو عن شماله من حجر ، أو شجر ، أو مدر ، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من طاف بهذا البيت سبوعا فأحصاه كان كعتق رقبة» . وقال «لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة وكتبت له بها حسنة» .

7- فضل مسح الحجر والركن اليماني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن مسحهما كفارة الخطايا» .

8- فضل يوم عرفة: قال رسول الله «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول " ما أراد هؤلاء ؟» .

9- الحجاج والعمار وفد الله: عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ قَالَ : «الْحَجَّاجُ والعُمارُ وَقَدُ اللهِ ، إِن دعوه أجابهم ، وإن استغفروه غفر لهم»و يقول في الحديث القدسي " عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: «إن عبدا صححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلى لمحروم» .

١٠- نيل شرف فضل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي: فإن الرحال لا تشد إلا هذه المساجد فقط ، تعظيما لشأنها ، ورفعة لقدرها ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، ومسجد الحرام ، ومسجد الأقصى» . وعن أبي ذر رضي الله عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أي مسجد وضع في الأرض أول قالَ : " المسجد الحرام " قَالَ : قُلْتُ ثُمَّ أَي ؟ قَالَ:"المسجد الأقصى " قلت : كم كان بينهما ؟ قَالَ : " أَرْبَعُونَ سنة ، ثُمَّ أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فَإِنَّ الفضل فيه "وفضل الصلاة في المسجد الحرام فضل كبير وعظيم ، عن جابر رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» . 

عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، و في مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة » لذا فقد كان السلف يحرصون على الحج ، العلماء والخلفاء ، والقادة وغيرهم ، حتى إن الخليفة العباسي هارون الرشيد كان يغزو عاماً ويحج عاماً . وكان بعض الصالحين يتحسر إذا فاته الحج ، ويقول " لئن سار القوم وقعدنا ، وقربوا وبعدنا فما يؤمننا أن نكون ممن " كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين " .

فوائد وآداب الحج

1 - التوحيد والطاعة والانقياد لله رب العالمين: قال تعالى: ("وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ") ، وبعدها بقليل، حذر سبحانه من الشرك ونجاسته فقال: ("فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ")، فالمسلم يخلص العبادة والتوحيد الله رب العالمين ، كما أنه يخلص الانقياد الله ، وهذا نراه جليا وواضحاً في الحج ، فالطواف والسعي سبعة أشواط والرمي بسبع حصيات والوقوف بعرفة في يوم عرفة في التاسع من ذي الحجة إلى غير ذلك.

ولا حق لأحد أن يغير أو يبدل ما شرعه الله وهذا يغرس في النفس صدق العبادة وإخلاصها لله عز وجل وكمال التسليم لأمره وأن الشرع ما شرعه الله لا تلك البدع والضلالات التي هي من صنع البشر . كما إن الحج عبادة توقيفية فلا اجتهاد فيها. مع النصوص الشرعية فهي حق الله عزوجل لا حق لأحد فيها فهو المشرع لهذه العبادات وحده كما قال تعالى ("أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ")  .

عن عابس بن ربيعة ، قال : رأيت عمر أتى الحجر ، فقال : أما والله ، إنِّي لأعلَمُ أَنَّكَ حجر ، لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ، ما قبلتك ، ثم دنا فقبله . ولترسيخ عقيدة التوحيد كان شعار الحج لبيك اللهم لبيك شعار التوحيد ، يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، فهي تربية للنفس على توحيد الله والإخلاص له ونبذ كل من سواه من المعبودات الباطلة . ولذا يقول ابن القيم في معنى هذه التلبية : أخلصت لبي وقلبي لك وجعلت لك لبي وخالصتي .

2- تربية المسلم على النظام والتوازن والاعتدال: إن الإسلام دين عدل ووسطية حتى مع حقوق المسلم على نفسه ، فالإسلام لا يأمر بأمر فيه ضرر أو إجحاف بل كل أوامره ونواهيه تصب في مصلحة من ينتمي إليه فعلى سبيل المثال يقول الله تعالى : ("لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ") .

فالحج يجمع بين مصالح الفرد الدنيوية من بيع وشراء وغيرها وبين مقاصد هذه العبادة من ذكر وصلاة ودعاء وغير ذلك. وهذا يدلنا على أن الإسلام ما منع من شيء إلا وأباح أشياء أخرى وهذه هي عين مراعاة حاجات الإنسان .

فالحج في شهر ذي الحجة وصيام رمضان في شهر رمضان ومواقيت الصلاة في وقت محدد معروف وغيرها من العبادات فتلك هي المنظومة تربي المسلم على أن يكون منضبطاً في حياته ويزداد ذلك حينما يكون في أيام فاضلة كأيام الحج يتنقل فيها الحاج من عبادة إلى عبادة ليعود المسلم نفسه على أن يكون منضبطا فلا يقدم شهر الحج عن شهره ولا يوم عرفة عن يومها ولا الرمي عن وقته ولا الطواف عن موعده. فمواقيت العبادة في الحج منضبطة فلا يمكن أن يؤخر بعضها ولا يقدمها ولو لثواني . وهي دعوة لأن يتميز المسلم عن غيره بانضباطه في مواعيده وأعماله فيعتاد الانضباط في حياته كلها ومع الآخرين .

3- تحقيق مبدأ الأخوة والتعارف والمساواة: فحينما يقصد الحجاج من كل بلاد الدنيا مكاناً واحداً في وقت واحد على هيئة واحدة ويؤدون منسكاً واحداً يتحقق في النفوس أخوة الدين التي جمعتنا ينادي كل أخ أخاه ويحاكيه متذكرا تلك الأخوة التي عاشها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتي كانت من أول الأعمال التي قام بها حين قدم المدينة مهاجراً فآخي بين المهاجرين والأنصار فتحقق بذلك أخوة الدين . ولنتأمل قول الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)

تلك الرابطة التي ارتضاها الله عز وجل لأهل الإيمان وهي أقوى من أخوة النسب فما أجمل تلك الأخوة وما أسماها لأنها قامت على أساس هذا الدين فالمحرك والدافع لها هو هذا الدين. ولنتذكر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ) فيعطف المسلم على أخيه المسلم وينصر قضيته ويهمه ما أهمه وهذا سر عجيب من أسرار الحج.

في الحج يتحقق ذلك المعنى الرفيع كما أخبر الله بذلك فقال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . وإن اختلفت اللغات والأوطان والمشارب فالتعارف من أكبر أسباب الألفة بين أهل الإسلام. وحينما نقرأ هذا الحديث يقودنا لشعور صادق وحس عجيب عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : «الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» . فما أجمل هذه الأرواح وهي تتعارف لتتألف وتتوحد حبا ودفاعاً ونشراً لهذا الدين.

ومبدأ المساواة يتجلى واضحا في الحج حيث يجتمع المسلمون من كل جنس ولغة ولون ووطن في صعيد واحد لباسهم واحد وعملهم واحد ومكانهم واحد ووقتهم واحد وحدة في المشاعر ووحدة في الشعائر وحدة في الهدف ، ووحدة في العمل ووحدة في القول.

4- غرس الأخلاق والخصال الحميدة: الحج مدرسة الأخلاق وميدان تربية النفس على معالي الأخلاق، والتباعد والتجافي عن سيء الأخلاق ورديئها . يحدوه في ذلك خلق سيد البشر صلى الله عليه وسلم الذي كان مناراً لكل حائر في ظلمة الأخلاق مستشعرا تلك النداءات النبوية والوصايا الإيمانية بالتخلق بكريم الأخلاق والاتصاف بجميل الطباع .

عن أبي الدرداء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء يُوضع في الميزان أثقل من حسن الْخَلْقِ ، وَإِنَّ صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة» . قال تعالى : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) . مثل كظم الغيظ وترك الجدال والمخاصمة. قال تعالى: (وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) .

الجدال أن تجادل صاحبك حتى تغضبه ويغضبك، والأظهر أن المراد بنفي الجدال في الآية: هو النزاع والمخاصمة في غير فائدة شرعية. والرفق واللين والسكينة. قال عندما سمع زجرا شديدا وضربا وصوتا للإبل في الدفع من عرفة: «أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع ، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة: ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غفر له».

ولذلك تقول امرأة في الجاهلية لولدها:

أبني لا تظلم بمكة *** لا الصغير ولا الكبير

أبني قد جربتها *** فوجدت ظالمها يبور

الله آمنها وما *** بنيت بساحتها القصور

ولقد غزاها تبع *** فكسي بنيها الحرير

وإنكار الذات والاندماج في المجموع في الحج ينكر العبد ذاته، ويتجرد عما يستطيع أن يخص نفسه به ويندمج مع إخوانه الحجيج في اللباس والأكل والهتاف والتنقل والعمل، فيبتعد عنه العجب والغرور ويطامن من كبريائه. والتربية على التواضع. ويظهر ذلك جليا في الوحدة بين جميع الحجيج في الشعائر والمشاعر، وإلغاء أثر الفوارق المادية بينهم من لغة ودم ومال.... وقد كان من خطبة النبي في حجة الوداع: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، وبالعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى» .

5- تعويد النفس على الخشونة وصعوبة العيش: فالحاج يحرم نفسه كثير من الترف الذي كان قد اعتاد عليه قبل إحرامه ويحرم نفسه من مباحات كان يتمتع بها قبل أن يهل بحجه مثل الطيب وحلق الشعر والصيد وغيرها من محظورات الإحرام ليعود المسلم نفسه على الصبر على شظف العيش وشدته. كما أن كثرة العدد في مكان مزدحم ضيق والتنقل بين المشاعر مع البعد والمشقة كل ذلك لتعويد النفس على تحمل الصعوبات.

ولأجل أن يتذكر المسلم أولئك الذين يعيشون في ضيق وشدة من العيش وفي حاجة ماسة للطعام والشراب والكساء، مما يجعله يغرس في نفسه حقيقة دعانا الرسول صلى الله عليه وسلم إليها بقوله عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أَنه قال: «لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى يحب لأخيه ، أو لجاره ، ما يحب لنفسه» . فالحج تربية على القناعة في اللباس حيث يلبس خرقة من قطعتين فتكفيه، والقناعة في السكن حيث يسكن في مكان بقدر نومه فيغنيه والقناعة في الطعام حيث يأكل من الطعام وربما نفسه لا تشتهيه، فما أعظمها من مقاصد .

6 - تذكر الحقيقة الغائبة: فلباس الإحرام يذكر المسلم بحقيقة غابت عن تفكيرنا وكرهتها نفوسنا وكم نهرب منها ولا بد لها أن تدركنا وأن تشرب من كأسها، إنها مفارقة هذه الحياة والانتقال إلى حياة البرزخ ثم الحياة الآخرة ، كما أخبرنا الله عنها بقوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) . فالحاج حينما يلبس الإحرام فإنه يشابه تلك الأكفان التي يكفن بها الميت ليلحد في قبره ، كما أن ذلك الجمع الغفير من الحجاج في مكان واحد وكل واحد منهم يلهج لسانه بدعاء الله أن يتقبله ويعتقه من ناره، يذكره بموقف المحشر الذي يجمع فيه جميع الخلق وكل فرد قد شغل بنفسه عن غيره كما وصفهم الله بقوله ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) .

فحري بالمسلم أن يكون دائم القرب من الله بعيداً عن معصيته ومخالفة أمره مستعداً لهذه الحقيقة في أي وقت حلت به وأدركته بعمل صالح يفرح به ويسر يوم أن يلقى الله ، عن أبي هريرة قال : قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (أكثرو ذكر هادم اللذات). يعني الموت .

حين قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وهو يريد مكة، أرسل إلى عالمها الجليل أبي حازم فلما دخل عليه قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ . فقال : لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب . فقال سليمان: كيف القدوم على الله؟ قال: يا أمير المؤمنين، أما المحسن كالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال: ليت شعري، ما لي عند الله ؟ . 

قال أبو حازم اعرض نفسك على كتاب الله حيث قال : ( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ). قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين قال: يا أبا حازم أي عباد الله أكرم؟ فقال: أهل البر والتقوى . قال: فأي الأعمال أفضل؟ فقال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال: أي الكلام أسمع ؟ فقال : قول الحق عند من تخاف وترجو . قال: فأي المؤمنين أخسر ؟ فقال رجل خطأ في هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرته بدنياه . قال سليمان: ما تقول فيما نحن فيه؟ فقال: أو تعفيني؟.

قال: لا بد، فإنها نصيحة تلقيها الى فقال: إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة المسلمين ولا رضا منهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة وقد ارتحلوا فلا شعرت بما قالوا وما قيل لهم. فقال رجل من جلسائه بئسما قلت . قال أبو حازم إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه فقال سليمان يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح للناس ؟ . قال : تدع الصلف وتستمسك بالعروة وتقسم بالسوية . قال: كيف المأخذ به؟.

قال: أن تأخذ المال في حقه وتضعه في أهله. فالتفت إلى سالم ، فلما رآه دنا وقبل رأسه وقال: ألك إلي حاجة؟ فاحمر وجه سالم غضباً، وقال: أفي بيت الله الواحد الأحد تقول هذا الكلام؟! أما تستحي؟! فتركه هشام ، فلما انتهى تصدى له الخليفة خارج الحرم وقال: ألك حاجة؟ قال: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: لا. من حوائج الدنيا. قال: والله ما سألت حوائج الدنيا ممن يملكها فكيف أسألها منك !! فاختلع يده من يده . قال: يا أبا حازم ارفع إلى حوائجك ؟ قال : تنجيني من النار وتدخلني الجنة ؟ . قال : ليس ذلك الي. قال: فلا حاجة لي غيرها. ثم قام فأرسل إليه بمائة دينار فردها إليه ولم يقبلها . 

تعليقات