عدالة الصحابة وفضلهم في ضوء الكتاب والسنة

عدالة الصحابة وفضلهم في ضوء الكتاب والسنة

عدالة الصحابة وفضلهم

 الصَّحَابَةُ كلُّهم عُدُولٌ : عَدَّهُم اللَّهُ تَعَالَى ، وَوَثَّقَهُم فِي كِتَابِهِ ، وَزَكَّاهُم نبيه في أحادِيثَ عَديدَةٍ. ومَعنَى عَدالتِهم : أَنَّهم لا يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِمَا اتَّصَفُوا به من قُوَّةِ الإيمان ، والتزامِ التَّقْوَى ، والمروءة ، وسمو الأخلاق ، والتَّرفع عن سفاسف الأمور .

وعدالة الصحابَةِ عند عُلَماء المسلمين من مسائل العقيدة القطعية ، أو مِمَّا هو معلوم من الدِّينِ بالضَّرُورَةِ . وَلَمْ يُخالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا شُذوذٌ من البَاطِنِيِّينَ ، والمنافقين ، والزَّنادِقَةِ . قَالَ الخطيب البغدادي : «عَدالَةُ الصَّحابَةِ ثابتة ومعلومة بتعديل الله لهم ، وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم في نص القُرآنِ ؛ فلا يحتاج احدا منهم مع تعديلِ اللَّهِ تَعَالَى لهم المُطَّلِعِ عَلَى بَوَاطِنِهِم إِلَى تَعديل أحدٍ من الخلق له . وهَذا مَذهَبُ كَافَّةِ العُلَماءِ ، ومَنْ يُعتَدُّ بِقَولِه من الفُقَهَاءِ».

الطعن في الصحابة

الطَّعْنُ فِي الصَّحَابَةِ طَعن في حِكمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اختيارهم لصحبة نبيه ﷺ، وتبليغ شريعته. والطَّعن في الصَّحَابَةِ أيضاً طعن فِي الرَّسُولِ ﷺ؛ كَما قَالَ الإمامُ مَالِكَ وغَيْرُه من أئِمَّةِ العِلمِ: هَؤُلَاءِ طَعَنُوا فِي أَصْحَابِ رَسُولِ الله ؛ لِيَقُولَ القائلُ : رَجُلُ سُوءٍ كَانَ لَه أَصْحَابُ سُوءٍ ، وَلَوْ كَانَ رَجُلاً صالحاً لكان أصحابه صالِحِينَ  . تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الكَافِرُونَ عُلُوَّاً كَبِيراً .

بَلْ الطَّعنُ فِي الصَّحَابَةِ طَعن في الدِّينِ نَفْسِه ؛ كما هو ثابتٌ ومُقَرَّرٌ عند العلماء : «الطَّعنُ فِي النَّاقِل طَعن في المَنقُولِ». فَإِذَا كَانَ مَنْ نَقَلَ إِلَيْنَا هَذا الدين (وهم الصَّحابَةُ ) مطعون فيهم ، ومَجْرُوحُونَ فِي عَدالَتِهِم ، ومُتَكَلَّمُ في ثقتهم وأمانَتِهِم ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ شَأْنُ هَذا الدِّينِ ؟! بِلَا شَكٍّ سَيَكُونُ الدِّينُ ذاته مطعوناً فيه .

وما أحسَنَ ما قَالَ الإمام الحافظ الجليل أبو زُرعَه الرَّازِيُّ الله :«إِذَا رَأَيْتُم الرَّجُلَ يَنتَقِصُ أحَداً من أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ زِندِيقُ . وذلكَ أَنَّ الرَّسُولَ عِندَنا حَقٌّ ، والقُرآنُ حَقٌّ ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ والسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ . وإِنَّما يُرِيدُونَ أَنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الكتاب والسنة . والجَرحُ بِهِم أَوْلَى ؛ فَهُم زَنَادِقَةٌ».

الهدف من الطعن في الصحابة

يجب أن نفهم حقيقة لا غموض فيها ولا لبْسَ : أَنَّ الهَدفَ مِن الطَّعْنِ في نَقَلَةِ الدِّينِ (وهم الصَّحابَةُ ) هو الطَّعْنُ فِي الدِّينِ نَفْسِه . وهذا هو المطلب الأساس لهؤلاء الزنادقة الباطنية . ويَجِبُ أَنْ نَعِيَ تَمَاماً أَنَّ نُصرَةَ الصحابة هو مِن أَوْجَبِ واجِباتِنا نَحوَ دِينِنا ؛ لأنَّهم هم الذين نَقلُوهُ إِلَينا بكُلِّ أَمَانَةٍ وصدقٍ ؛ فَإِذَا طُعِنَ فِيهِم طُعِنَ فِي الدِّينِ نَفْسِه .

حُبُّ الصَّحَابَةِ ومُوالاتهم ، ونُصَرَتُهم ، والتَّرَضي عَنهم مِن أَكَدِ حُقُوقِهم عَلَى الأُمَّة : لأنَّهم صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ، وَحَمَلَةُ الدِّينِ ، وَنَقَلَةُ الشريعة . فهم أحباب مُحَمَّدٍ ، وأنصاره ، وأصهاره . 

فضل الصحابة

الصحابة هم صَفْوَةُ هَذه الأمة ، وهذه هي آثارُهُم : شَريعَةٌ مَحفُوظَةٌ ، صافِيةٌ نَقِيَّةٌ ، وبِلادُ مَفْتُوحَةٌ . فقد بَلَغَ عَددُ المُسلِمينَ اليَومَ أَكثر من مليار ونصف المليارِ ، وقَبْلَهُم آبَاؤُهُم وأجدادهم لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً ، من دَخَلُوا الإسلام بِسَببِهِم ، ثُمَّ كُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُونَه في ميزان حسناتِ أُولئك الأصحاب الأبرار الأنجاب ، الشجعان الأفذاذ .

فَنَحْنُ نَشْهَدُ لَهُم بِالخَيْرِ والفَضلِ ، وَنَشْهَدُ آثارهم . هم النُّجُومُ تَهْتَدي بهم الأنام ، ويَنْجَابُ الظَّلامُ . وكُنْ قابساً من نارِهِم جَذْوَةً ، وَطِرْ حَيْثُمَا طَارُوا ، ورَفْرِفْ وَغَرَّدْ ؛ فهم أَصلٌ ونَحْنُ هُم فُرُوعٌ ، وهم مَتْنٌ وَنَحْنُ لَم حَواشٍ .

وما أروع ما قاله الإمامُ الشَّافِعِيُّ  في رسالتِهِ مُوَضّحاً فَضْلَ الصحابة ؛ إذ يَقُولُ :«الصَّحَابَةُ لَا كَانَ وَلَا يَكُونُ مِثْلُهم ، هم فَوْقَنا فِي كُلِّ عِلمٍ ، وعَقلِ ، وَدِينِ ، وفَضلٍ ، وَرَأَيُّهم لَنَا خَيْرٌ مِن رَأَيْنَا لأَنفُسِنا» .

وذلك لأنَّ الصَّحابة كُلَّهم مُعَدَلُّونَ ؛ عَدَّهُم رَبُّ العَالَمِينَ تَبَارَكَ وتَعَالَى ، وَرَسُولُه ؛ وذلك في آيات كثيرة من القرآن ، وفي أحاديث عديدة عن النَّبيﷺ . وقَالَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ سَعِيدُ بنُ زَيْدِ كَلَاماً نفيساً فِي فَضْلِ الصحابة : لَمَشْهَدُ رَجُلٍ منهم مَع رَسُولِ اللَّهِ يُمَتِّعُ بِهَا وَجِهَهُ خَيْرٌ مِن عَمَلِ أَحَدِكُم لَو عُمْرَ عُمْرَ نُوحٍ عليه السلام . زاد رزينُ بنُ عُبَيد : ثُمَّ قَالَ : «لا جَرمَ لَمَّا انقطعت أعمارهم ، أراد اللهُ أنْ لا يَقطَعَ الأجْرَ عَنْهُم إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ ، والشَّقِيُّ مَنْ أَبْغَضَهُم ، والسَّعِيدُ مَنْ أَحَبَّهُم .

إجماع الأمة على عدالة الصحابة

وَأَجَمَعَ جُهُورُ عُلماءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ فَضِيلَةَ الصُّحْبَةِ لَا يَعْدِهَا عَمَلٌ؛ لِمُشاهَدَتِهِم رَسُولَ اللَّهِ . تَكَحلَتْ أَعْيُنُهم برُؤيَتِهِ ، وَسَبقُوا بِالذَّبُ عنه ، والهجرَةِ إِليه ، ونُصْرَتِه ، وبَذْلِ المُهَجِ ، وَقَتْلِ الآباء والأبناء ، وضَبْطِ الشرعِ المُتَلقَّى لِمَنْ بَعدَهم ، فإِنَّه لا يَعْدِلُ أَحَدٌ مِمَّن يَأْتِي بَعْدَهُم ؛ لأَنَّهُ مَا مِنْ خصلَةٍ مِن الخِصَالِ المَذْكُورَةِ إِلَّا وَلِلَّذِي سَبَقَ بها مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بها بَعدَه . فَظَهَر فَضْلُهم .

قَالَ ابْنُ حَجَر العَسْقَلانيُّ : اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ - أي : الصَّحَابَة - عُدُولٌ ، وَلَمْ يُخالِفْ فِي ذَلكَ إِلَّا شُذوذٌ من المُبتَدِعَة». وقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ الله : «أَجَمَع أَهْلُ الحَقِّ من المُسلِمِينَ (وهم أَهْلُ السُّنَّةِ والجماعة) عَلَى أَنهم - أي : الصَّحابَة - كُلُّهم عُدُولٌ».

وقال رحمه الله أيضاً : ثَبتت عدالتهم - أي الصَّحابة - جميعاً بِثَناءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ، وَثَنَاءِ رَسُولِهِ ، ولا أَعدَلَ مِمَّنْ ارتضاهُ اللَّهُ لِصُحِبَةِ نَبِيِّهِ ، ولا تَرْكِيَةَ أفضل مِن ذَلكَ ، ولا تعديل أَكمَلَ مِنْهُ» .

وقَالَ العَلَامَةُ الأَلُوسِيُّ : «إِعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ - إِلَّا مَنْ شَدَّ - أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصحابة عدولٌ ؛ يَجِبُّ عَلَى الأُمَّةِ تَعظيمُهم) . وَقَالَ ابْنُ الصَّلاحِ : «إِنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ، ومَنْ لابَسَ الفِتَنَ مِنْهُم ، فَكَذلِكَ بِإجماعِ العُلماء الذين يُعتد بهم في الإجماع» وكذلك نقل العراقي ، والجويني ، وابنُ الصَّلاحِ ، وابنُ كَثِيرٍ ، وغَيرُهم : إجماع المُسلِمينَ عَلَى أَنَّ أَصحابَ النَّبِيِّ كُلُّهم عُدُولٌ .


تعليقات