الكعبة المشرفة
تقع الكعبة المشرفة وسط المسجد الحرام على شكل حجرة كبيرة إرتفاعها ١٥ متراً، وطول ضلعها الذي به بابها ۱۲ متراً ومع إضافة الحجر فيصبح حوالي ١٥ متر، وكذلك الذي يقابله.
وأما الضلع الشمالي الذي به الميزاب والذي يقابله فطولهما ۱۰ متر. وللكعبة المشرفة ركان فقط هما الركن اليماني وركن الحجر الأسود والجهتان المحاذيتان للحجر لا يسميان بالركن لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم (عليه السلام) لأن الحجر إمتداد للكعبة المشرفة وهو جزء منها ومن الخطأ الشائع كثيراً بين الناس تسميتهما بالركن العراقي والركن الشامي.
الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين في صلواتهم، وحولها يطوفون ومهوى أفئدتهم التي يتطلعون للوصول إليها من كل أرجاء العالم وهي التي من أجلها شرفت مكة المكرمة
وعظم شأنها بين كل بلاد الدنيا، كما إنها أول بيت وضع في الأرض (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ للَّذِي بِنكَةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ).
تقع الكعبة المشرفة تحت البيت المعمور الموجود في السماء قام النبي إبراهيم مع إبنه إسماعيل (عليهما السلام ببناء الكعبة المشرفة، بعد أن أوحى الله تعالى إليه مكان البيت (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهُرْ بَيْنِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ والركع السجود ).
والحجارة التي هي أساس البيت لم تنتزع منذ عهد النبي إبراهيم (عليه السلام) حتى عندما أعيد بناء الكعبة المشرفة أكثر من مرة لم يتجرأ أحد على إنتزاعها وإزالتها فإرتفع البناء عليها والشاذروان حجر من الرخام يغطي أساس الكعبة.
ذكرت الكعبة المشرفة في القرآن الكريم بأسماء عديدة منها الكعبة والبيت الحرام ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ البيت الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ). وتعتبر أقدس مكان على وجه الأرض.
الحجر الأسود
الحجر الأسود أعظم أجزاء الكعبة المشرفة وأشرف حجر على وجه الأرض لأنه من الجنة يتسابق المسملون لتقبيله كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم)، يوجد في الركن الجنوبي الشرقي للكعبة من الخارج، ويرتفع عن الأرض ۱٫۵۰ متر، محاط بإطار من الفضة الخالصة حفاظاً له .
وجاء به جبريل (عليه السلام) من الجنة ليوضع في مكانه من البيت ليكون علامة لبداية الطواف ونهايته ولم يكن في بادئ الأمر أسود بل كان أبيض يتلألأ من شدة البياض لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم».
أما عن سواد الحجر فإنه في ظاهر الحجر، أما بقية جرمه فهو على ما هو عليه من البياض. ولا يمكن وصف الحجر الأسود اليوم لأن الذي يظهر منه في زماننا ونستلمه ونقبله هو حجر مكسر إلى ثماني قطع صغيرة مختلفة الحجم أكبرها بقدر التمرة الواحدة، وأما بقيته فداخل في بناء الكعبة المشرفة .
ويروى أن القطع تبلغ خمس عشرة قطعة إلا أن القطع السبع الأخرى مغطاة بالمعجون الذي يراه كل مستلم للحجر وهو خليط من الشمع والمسك والعنبر موضوع على رأس الحجر الأسود فيحرص المسلم على تقبيل القطعة الكبيرة منه وليس المعجون.
ويعتبر الحجر الأسود من ياقوت الجنة حيث قال النبي (صلى الله عليه وسلم): « إن الركن والمقام باقوتنتان من ياقوت الجنة طمس الله تعالى نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب» ، فالركن من أسماء الحجر الأسود. وورد في فضل الحجر الأسود قوله صلى الله عليه وسلم): « ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من إستلمه بحق »
وقال « إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطاً » و « لولا ما مس الحجر من أنجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شفي وما على الأرض شيء من الجنة غيره . ومن سنن الطواف وتعظيم الحجر الأسود تقبيله والسجود عليه وإستلامه باليد أو الإشارة إليه من بعيد في الزحام لأنه من شعائر الله التي تورث تقوى القلوب و ذلك (وَمَنْ يُعَظِمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) .
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول: (إني لأعلم إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك). وروي عن الطبري أنه قال: (إنما قال ذلك عمر، لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال منهم أن إستلام الحجر هو تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر أن يعلم الناس أن إستلامه إتباع لفعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم). لا لأن الحجر يضر وينفع بذاته، كما كانت تعتقده في الأوثان).
ويعتبر الحجر الاسود موضع بداية الطواف ونهايته وتتميز ستارة هذا الركن بإحتواءها على زخرفة مكتوبة فيها "الله أكبر" لميزه الطائف من بعيد. وقد وضعت لوحات ومصابيح باللون الأخضر مقابلة للحجر الاسود تشير إلى بداية موضع الطواف في الأدوار العليا للمطاف.
الحجر
الحجر أو ما يسمى بـ (الحطيم لأنه محطوم من البيت أي مكسور منه كان جزءاً أساسياً من الكعبة المشرفة، حتى جاء عهد قريش حيث سعي بالحجر لأن قريش في بنائها تركت من أساس النبي إبراهيم (عليه السلام) جزءاً لقلة المال الحلال الخالص لديهم.
وحجرت على الموضع ليعلم الناس إنه من الكعبة المشرفة. والحجر المنطقة المحاطة بقوس نصف دائري، أحد طرفيه محاذ للجهة الشمالية والآخر محاذ للجهة الغربية للكعبة المشرفة، ويبلغ ارتفاع القوس قرابة ١,٣٠ متر.
ورد في فضل الحجر أحاديث وآثار كثيرة، منها: عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (كنت أحب أن أدخل فأصلي فيه، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيدي فأدخلني الحجر، فقال لي: «صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت ولكن قومك إستقصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت» .
أي أن الحجر جزءاً من البيت حتى وإن لم يوضع عليه الكسوة، ومن صلى فيه فكأنما صلى في داخل الكعبة المشرفة. إن صلاة النافلة داخل الحجر مستحبة ولا تصح صلاة الفرض داخله ولا الطواف لذلك يغلق أثناء الصلاة ولا يسمح لأحد بالصلاة فيه .
وقال ابن عباس في فضله: (صلوا في مصلى الأخيار، وإشربوا من شراب الأبرار) فقيل له: ما هو مصلى (الأخيار) قال: أن تصلي تحت الميزاب وماء الأبرار أن تشرب من ماء زمزم وروي عن عبد الله بن عمر قوله : (إن قبلة النبي (صلى الله عليه وسلم) تحت الميزاب)) وفي رواية أنه قال: (قبلة إبراهيم تحت الميزاب) .
وروي عن عثمان بن عفان أنه قال: (كنت قائماً على باب الجنة) وكان قائماً تحت الميزاب يدعو الله عنده وروي عن بعض الصحابة والتابعين إنهم كانوا يلتزمون ما تحت الميزاب من الكعبة المشرفة.
فمن صلى فيه فليتجه بالصلاة إلى الكعبة المشرفة ثم ليترك الفرصة لإخوانه المسلمين للصلاة فيه ولا يطيل البقاء فيه. فتعظيم الحجر يكون بالصلاة فيه لأن الصلاة فيه صلاة داخل الكعبة المشرفة.
وجدير بالذكر هنا إن الحجر تمت توسعته ليصبح حوالي ۸٫۹ متر وأغلبه ليس من الكعبة المشرفة وإن الجزء الذي هو من الكعبة المشرفة ومن صلى فيه فكانما صلى في داخل الكعبة المشرفة هو فقط ۳,۲۳ متر من نهاية جدار الكعبة الشمالي أي صفين للصلاة منه فقط ومن صلى في الصفوف الأخرى من الحجر لم يصلي داخل الكعبة المشرفة.
وكان العرب قبل الإسلام يدعون الله فيه فقل من دعا هنالك على ظالم إلا هلك، وقل من حلف هنالك إثماً إلا عجلت له العقوبة، فكان ذلك يحجز الناس عن الظلم، ويتهيب الناس الحلف هناك.
الملتزم
المكان الواقع بين الحجر الأسود وباب الكعبة المشرفة وطوله أربعة أذرع (۲) متر تقريباً)، فعن ابن عباس أنه قال: الملتزم ما بين الركن والباب وهو موضع إجابة الدعاء ويسن به الدعاء مع لصق الصدر واليدين والخد.
وكان إبن عباس يفعل ذلك ويقول: لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه الله إياه وفي رواية إلا رأى في حاجته بعض الذي يحب. ومن العلماء من يقول بأن الملتزم هو جدار الكعبة المشرفة الذي به الباب بأكمله.
الركن اليماني
الركن الموازي لركن الحجر الأسود ويسمى بالركن اليماني لكونه بإتجاه اليمين. وورد في فضل الركن اليماني قوله (صلى الله عليه وسلم): "« يأتي الركن اليماني يوم القيامة أعظم من جبل أبي قبيس له لسانان وشفتان » .
وكان ابن عمر يزاحم على الركن اليماني والحجر الأسود ويستلم الركن اليماني في كل شوط لأنه سمع النبي (صلى الله عليه وسلم يقول: «إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا خطأ ». ويمسح عليه باليد اليمنى مرة واحدة فقط إن تيسر ولا يستحب تقبيله ولا مسح الوجه واليدين بعد مسحه لأنه لم يثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
وفي الزحام لا يشار إليه ولا يمسح. ويقتصر المسح على الركنين فقط لأنهما الركنان الوحيدان للكعبة المشرفة فإذا لم تستطع أن تستلم أو تقبل الحجر الأسود فدونك الركن اليماني ما في زحام شديد عليه حتى النساء يستلمونه بسهولة.
وتعظيم الركن اليماني بأن يستلمه الحاج والمعتمر أثناء طوافه بيده ماسحاً له فقط. وتتميز ستارة الركن اليماني اليوم بإحتواءها على خط ذهبي لميزه الطائف من بعيد. ويعتبر الركن اليماني وركن الحجر الأسود هما الركنان الوحيدان اللذان بنيا على قواعد النبي إبراهيم (عليه السلام).
مقام ابراهيم
ذلك الحجر الذي قام عليه النبي إبراهيم (عليه السلام) عند بناء الكعبة المشرفة لما ارتفع البناء، فكان يقوم عليه ويبني وإبنه إسماعيل (عليه السلام) يناوله الحجارة وهما يقولان: (وَرَبَّنَا تَقَبَّلَ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السميع العليم) .
طوله حوالي ٣٥ سنتيمتر فيه أثر قدمي إبراهيم (عليه السلام) بعدما غاصت فيه وإن مكان الأصابع مسح لأنه كان مكشوفاً والناس كانوا يتمسحون به.
إن لمقام إبراهيم فضائل عديدة، فهو من يواقيت الجنة، فعن النبي (صلى الله عليه وسلم أنه قال: « الركن والمقام يا قوتتان من الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب »، وأن الله تعالى ذكره بأنه أحد آياته البيئات ( فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتُ مَقَامُ إِبْرَاهيم) .
ومن فضائله أيضاً إن النبي إبراهيم (عليه السلام) وقف عليه كما أمره الله عز وجل وأذن في الناس بالحج، فعن النبي (صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت أمره الله عز وجل أن ينادي في الحج .
فقام على المقام، فقال: يا أيها الناس إن ربكم قد بنى بيتاً فحجوه، وأجيبوا الله عز وجل، فأجابوه في أصلاب الرجال وأرحام النساء: أجيناك أجبناك، أجبناك، اللهم لبيك، قال: فكل من حج اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم على قدر ما لبي .
ثم قام إبراهيم (عليه السلام) بربط المقام قرب باب الكعبة المشرفة وبقي ملتصقاً بالكعبة المشرفة حتى عهد عمر بن الخطاب حيث أخبره إلى موضعه الموجود اليوم حتى لا يضايق المصلين خلفه للطائفين.
ويوجد اليوم 7 قطع من المرمر تمتاز بلونها البني المائل للصفرة ترمز إلى المكان الذي كان خلفه جبريل (عليه السلام) يعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) كيفية الصلاة في بداية البعثة وعلى يمين قطع المرمر كان مقام إبراهيم.
ولم يرد دعاء عند مقام إبراهيم ولم يؤمر الناس بمسحه فقط الصلاة خلفه فكان النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد أن ينهي أي طواف (نافلة أو طواف الحج أوالعمرة يقرأ قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقام إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى) ، ويذهب خلف المقام ويصلي ركعتي الطواف. واليوم إذا ترتب على الصلاة خلف المقام أذى أو زحام أو إعاقة أو ضرر فتصلى ركعتي الطواف في أي مكان. كما لا يجوز تقبيله ولا مسحه.
بئر زمزم
يقع بئر زمزم في الحرم المكي الشريف على بعد ۲۱ متر من الكعبة المشرفة، وتقع فتحة البترتحت ساحة الطواف على عمق ١,٥٦ متر خلف مقام إبراهيم إلى اليسار مقابلة للكعبة المشرفة وعمق البار ٣١ متمر.
وهذه البئر الشريفة نظيفة دائماً فلا تنمو فيها الطحالب ولا تدخلها الهوام ولا الفطريات ولا ملوثات الماء وللبئر عينان رئيسيتان تصبان في البئر الأولى من تحت الصفا والثانية وهي الأغزر من تحت الحجر الأسود.
ويعتبر ماؤها من الأمور المقدسة عند المسلمين لما يحمله من معان دينية فهي البئر المباركة التي فجرها جبريل (عليه السلام) لإسماعيل وأمه هاجر فظهر الماء فطوقته أم إسماعيل برمل ترده خشية أن يفوتها، قبل أن تأتي بالوعاء .
ولم يظهر البئر في المكان الذي كانت تبحث عنه لكي لا يكون جهد بشري إنما ظهر في منطقة بعيدة جداً عن مكان بحثها. وهذا البئر أعجب ما موجود على وجه الأرض فهو معجزة خالدة إذ لم ينقص مستوى ماءه منذ عهد النبي إبراهيم (عليه السلام) بينما الآبار الأخرى القديمة في مكة المكرم: لا يوجد بها قطرة ماء.
لماء زمزم مكانة وفضائل كثيرة عند المسلمين، منها: إنه أولى الثمرات التي أعطاها الله لخليله النبي إبراهيم (عليه السلام) عندما رفع يديه ودعا: ( ربنا إلي أسكنتُ مِنْ ذُريَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ). وإن ماء زمزم من الآيات البينات في حرم الله وإن شربه شفاء للسقام وغذاء للأجسام بحيث يغني عن الماء والطعام.
كما أنه يعد من أعظم النعم والمنافع المشهودة التي ذكرت في القرآن الكريم ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ). ومن فضائل ماء زمزم خاصية الإستشفاء به، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: « إنها مباركة إنها طعام طعم وزاد» في رواية « وشفاء سقم» .
فإن الصحابي أبو ذرعندما أسلم مكث ٤٠ يوم في الحرم فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم: « ما طعامك » قال: كان طعامي ماء زمزم) حتى لم يجد الجوع وظهرعليه السمن. وقال الثعالبي في كتابه ثمار القلوب فكم من مبتلى قد عوفي بالمقام عليه والشرب منه والاغتسال به بعد أن لم يدع في الأرض ينبوعاً إلا أتاه واستنفع فيه).
وقد نص فقهاء المسلمين على إن الدعاء بعد الفراغ من شربه مما ترجى إجابته، فعن النبي (صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ماء زمزم لما شرب له» .
فأولى لمن شرب ماء زمزم أن يشربه بنية صالحة، ثم يدعو الله بعد فراغه فتعظيم ماء زمزم بأن يشرب المؤمن منه ويكثر من الشرب منه فما من مسلم شرب يقيناً وهو يحسن الظن بالله الا كان الله عند حسن ظنه ففي هذا الماء من البركات والدواء والعافية، ومن بركات ماء زمزم إن شخص قرطبي شرب ماء زمزم ليحفظ القرآن الكريم فحفظه وأبو عمر التيمي شرب الماء ليكون مستجاب الدعوة فأصبح مستجاب الدعوة.
ويقول أهل العلم إن شرب ماء زمزم يورث تقوية وسكون القلب من الخوف ودليلهم إن النبي (صلى الله عليه وسلم عندما عرج به إلى السماء أخبر بأن قلبه غسل بماء زمزم لأنه مقبل على غيبيات وآيات ربه الكبرى كالجنة والنار والأهوال العظيمة فيحتاج إلى ثبات قلب وسكينة وإطمئنان نفس.
ومن السنة الشرب منه والإكثار والتضلع - أي الشرب حتى يرتوي الإنسان فتبرز أضلاعه من كثرة الإرتواء من هذا الماء المبارك كما قال ابن عباس: إذا شربت من زمزم فاستقبل القبلة وأذكر اسم الله وتنفس ثلاثاً وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله عز وجل فإن النبي (صلى الله عليه وسلم قال: «إن آية ما بيننا وبين المنافقين إنهم لا يتضلعون من زمزم» .
اليوم تم توفير ماء زمزم في المدينة المنورة أيضاً داخل المسجد النبوي في خزانات مكتوب عليها "سقيا زمزم" كما خصص موقع سبيل زمزم في الساحة الشرقية من المسجد الحرام لتعبئة الماء في عبوات لمن يريد أخذ كميات كبيرة من ماء زمزم إلى بلده.
الصفا والمروة
الصفا والمروة جبلان يقعان شرق المسجد الحرام، ويعدان رمزان شهيران لشعيرة السعي.الصفا جبل صغير يقع أسفل جبل أبي قبيس من الجهة الجنوبية الشرقية من الكعبة المشرفة، ويبعد عنها نحو ۱۳۰ متر، وسمي بالصفا لأن حجارته ملساء صلبة ناعمة .
ومن جبل الصفا بلغ النبي (صلى الله عليه وسلم الرسالة ودعا قريش للإسلام فكذبوه وعند الصفا بعد فتح مكة بايعوه. وهو مبتدأ السعي. ويقال إن الدعاء عند الصفا مستجاب.
أما المروة فهو أيضاً جبل صغير متصل بجبل قعيقعان يقع في الجهة الشمالية الشرقية من الكعبة المشرفة، ويبعد عنها ۳۰۰ متر، وسمي بالمروة لأن أحجاره من المرو الناصع البياض، وإليه ينتهي السعي.
وتعظيم الصفا والمروة يكون بالوقوف عليهما والسعي بينهما لأنهما من شعائر الله فكل شعيرة تعظم بالطريقة التي سلكها لنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) والطريق الذي يربط بين الصفا والمروة يسمى "المسعى" وهو مكان السعي.
ويرجع بدء السعي بين الصفا والمروة إلى زمن النبي إبراهيم (عليه السلام)، حيث تعتبر هاجر زوجة النبي إبراهيم (عليه السلام) أول من سعى بين الصفا والمروة، حينما كانت تلتمس الماء لإبنها إسماعيل (عليه السلام)، فكانت تصعد على جبل الصفا ثم تنزل حتى تصل جبل المروة، وقد كررت ذلك سبعة أشواط حتى وجدت الماء عند موضع زمزم، فشربت وأرضعت ولدها.
فلما جاء الإسلام جعل ذلك من شعائر الحج والعمرة. وكان الصفا والمروة والمسعى يقعان خارج المسجد الحرام، ولم يكن لهم بناء خاص بهما، بقي الحال على ما هو عليه حتى عام ١٩٥٦م حيث تم لأول مرة بناء المسعى أثناء التوسعة السعودية، وضم للمسجد الحرام وأصبح جزءاً . منه.
تبلغ المسافة بين الصفا والمروة ٣٩٤,٥ متر، واجمالي عدد الأشواط للسعى تكون ٢٧٦١,٥ متر أما عرض المسعى اليوم فهو ٤٠ متر.
يفضل السعي ذهاباً وإياباً في الجزء القريب من الكعبة أي الجهة التي يرجع فيها الساعون من المروة إلى الصفاء إن تمكنت من ذلك لأنه الأصل قبل توسعة المسعى التي تمت عام ۲۰۰۹م والتي تم خلالها توسعة عرض المسعى من حوالي ۲۰ متر إلى ٤٠ متر.
واختلفت آراء العلماء في توسعة المسعى فبعضهم قال: (إن السعي ركن فلا يتم الحج والعمرة بدونه فلا ينبغي الشروع في الحج والعمرة لعدم القدرة على إتمامها وإن من سعى في المسعى الجديد فكأنما ترك السعي لأنه سعى خارج المسعى).
وآخر قال: (إن السعي واجب فإن تركه يجبر بدم كسائر واجبات الحج والعمرة، وعليه فإذا تعذر السعي في المسعى القديم فإنه يمكن أن يعتمر ويهدي لتعذر السعي) وآخر قال: (إسعى في الأدوار العليا في المسعى القديم للذهاب والإياب إذا لم تستطع السعي في المسعى القديم) .
وآخر قال: ((جواز التوسعة وأجاز السعي في المسعى الجديد) . ومن المعلوم أن المشاعر لا يجوز الزيادة فيها ولا النقصان لقوله تعالى: ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) وقوله تعالى: ( إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ).