الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد.
فإن ربنا جل وعلا قد جعل للبشرية أوقاتا وقسمها على حسب بعض معايير معينة ومقدرة كالأيام والأشهر والأعوام. يقول الله تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتٰبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمَ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ" وواضح أن هذه الأشهر البالغ عددها اثني عشر ليست على مرتبة واحدة في فضائلها بل تتفاوت بحيث يتفاوت عوائدها التي يحصل عليها الإنسان حين يغتنم لحظاتها في طاعة الله.
هذا، ومن بين تلك الأشهر المتجانسة، يتمتع شهر رجب بخصال عديدة وخصائص مديدة تجعلها محط أنظار كل عابد ومتعبد. كيف لا فإنه شهر الله الذي اختاره الحق تعالى كي يستضيف للحظات الإسراء والمعراج والتي أتحفت لهذه الأمة بأفضل جائزة رائعة لم تحظ بها أمة من الأمم السالفة وهي الصلوات الخمس فجدير بنا أن نقوم بدراسة بسيطة
معنى رجب وأسماؤه
(رجب) هو مشتق من الترجيب، وهو التعظيم، لأن العرب كانت تعظمه زيادة على غيره. ويسمى الأصب: لانصاب الخير فيه. والأصم لعدم سماع قعقعة السلاح فيه ويسمى رجم - بالميم - لرجم الأعداء والشياطين فيه حتى لا يؤذوا الأولياء والصالحين .
قال الإمام ابن رجب الحنبلي: سمي رجب رجبا لأنه كان يرجب أي يعظم كذا قال الأصمعي و المفضل و الفراء وقيل : لأن الملائكة تترجب للتسبيح و التحميد فيه . و ذكر بعضهم أن لشهر رجب أربعة عشر اسما : شهر الله و رجب و منصل الأسنة و الأصم وا و الأصب . و منفس و مطهر و معلی و مقیم و هرم و مقشقش و مبريء و فرد . ويقال شهر رجم بالميم أيضًا، فيكون معناه: ترجم فيه الشياطين حتى لا يؤذوا فيه المؤمنين .
فرجب ثلاثة أحرف، راء وجيم وباء. فالراء:رحمة الله عز وجل، والجيم جود الله تعالى والباء: بر الله عز وجل، فمن أول هذا الشهر إلى آخره من الله عز وجل ثلاث عطايا للعباد، رحمة بلا عذاب وجود بلا بخل، وبر بلا جفاء .
وقال ذو النون المصري رحمه الله : رجب لترك الآفات وشعبان لاستعمال الطاعات، ورمضان لانتظار الكرامات، فمن لم يترك الآفات، ولم يستعمل الطاعات، ولم ينتظر الكرامات، فهو من أهل الترهات. وقال أيضًا - رحمه الله : رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد، وكل يحصد ما زرع، ويجزي ما صنع، ومن ضيع الزراعة ندم يوم حصاده، وأخلف ظنه مع سوء معاده. وقال بعض الصالحين: السنة شجرة، رجب أيام إيراقها، وشعبان أيام إثمارها، ورمضان أيام قطافها .
فضائل شهر رجب
1- شهر من الأشهر الحرم: يُعتبر رجب من الأشهر الأربعة الحرم التي ذكرها الله في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: " إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ" (التوبة: 36). وهذا يعطيه مكانة خاصة في الإسلام. الأشهر الحرم هي: رجب، ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم. هذه الأشهر تتميز بتعظيم الحسنات وتضخيم السيئات، لذا يُستحب فيها الإكثار من الخير، الاستقامة على الطاعة .
2- التهيئة لشهر رمضان: رجب يُعتبر مدخلاً للطريق الروحي نحو شهر رمضان المبارك، حيث يُشجع على، زيادة الطاعات، الابتعاد عن المعاصي، البدء في الصيام والقيام كتمرين للنفس استعدادًا للشهر الفضيل.
3- الإكثار من الدعاء والصدقة : الدعاء مستجاب في كل وقت، لكن في شهر رجب يمكن أن يكون وقتًا للتقرب إلى الله بالدعاء، خاصة دعاء المغفرة والرحمة. الصدقة في رجب تزيد البركة، وتُدخل السرور على قلوب الفقراء والمحتاجين.
4- الصيام : لم يُخصص النبي ﷺ صيامًا معينًا لشهر رجب، لكن الصيام فيه من الأعمال المستحبة عمومًا. الصيام يُقرب العبد من الله ويُطهر القلب من الذنوب. يمكن صيام أيام الاثنين والخميس، أو أيام البيض (13، 14، 15 من الشهر الهجري).
5- الاستغفار والتوبة : أطلق السلف على رجب اسم "شهر الاستغفار"، وقالوا إنه فرصة ذهبية لتطهير النفس من الذنوب وتجديد العهد مع الله. قال النبي ﷺ: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب." .
6- تجنب الظلم والمعاصي : لأن السيئات في الأشهر الحرم تكون أشد تأثيرًا، فلابد من الحرص على تجنبها تمامًا، والابتعاد عن أي ظلم للنفس أو للآخرين. قال الله تعالى:
"فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ".
7. ليلة الإسراء والمعراج : من أعظم الليالي المباركة، وهي الليلة التي أسرى فيها الله عز وجل بنبيه محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماوات العلا. قال الله تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلۡأَقۡصَى ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ" [الإسراء: 1].
في ختام الحديث عن شهر رجب، يتضح أنه شهر ذو مكانة خاصة في الإسلام، حيث يُعتبر من الأشهر الحرم التي تُعزز من قيمة العبادة والطاعة. يُتيح هذا الشهر للمسلمين فرصة للتوبة والاستغفار، ويُعتبر تمهيدًا لشهر رمضان المبارك. لذا، ينبغي على المسلمين استغلال هذا الشهر في الأعمال الصالحة، والإكثار من الدعاء والذكر، والتفكر في معانيه العميقة، مما يُساهم في تعزيز الروحانية والارتقاء بالنفس نحو الأفضل. نسأل الله أن يُعيننا على استغلال كل لحظة في هذا الشهر المبارك، وأن يُكتب لنا فيه القبول والمغفرة.